وجه تهلل ابتسامة كأنها الصبح السماوي الباهر، وجه له سمات العفوية يقطر شوقاً للقاء وتوقاً لهمسة تتشقشق في الظلام كأنها التغريدة على لسان طير جناحاه شراعان من قماشة الحرير، لمست في تلك اللحظة ومضة تحرك مكامن الكون، وتسدي لي إشراقة يوم غير عادي، وثبتُ مثل وشق يعاين حمامة الوجد العفوي، وثبتُ وصرت أغني مثل طير بدأ في الوجود مختالاً يلملم تفاصيل أيامه، ويجمع ثمرات النبق من بين أغصان الشجرة العملاقة، توهجت وتوجت فمي بابتسامة بفرادة الحظ السخي، عاينت الوجه، تأملت في الملامح، قرأت التفاصيل، وتنحيت الأبجدية بين الشفتين، وبحثت في معجم العينين عن لمعة كانت في تاريخي السبب، والنتيجة للقاء فوق السحاب، لمحت من بين التضاريس جزيرة حافية إلا من صوت لطيور كانت في البدء تلون طفولتي، وتلهمني كيف أبوح عن مشاعري بلا وجل، ولا خجل، وبعد هنيهة سال الصمت، والحلم لم يزل يفترش سجادته تحت جفني، ولون عيني ببياض المراحل، وما مر على القلب من موجات كانت تحاذي محملي، ثم تغادر بلا فتحة، ولا ضمة، فكرت في تلك اللحظة أن العيد في هذا العمر ليس خبراً عادياً، إنما هو قيامة طفل كبير يحاول أن يستدعي تاريخاً ما، يحاول أن يرسم صورة زمن من دون رتوش، ولا خدوش، بل كل ما في الأمر أنه يسجل للتاريخ عن خطوات مرت من هنا، من طرف خفي، وترك الأثر، ترك الخبر مجهولاً، والمبتدأ يفشي أسرار طفل كبير كان في البدء يسرد القصة وكأنه يلهو بلعبة فنية بلا مضمون.
ولكنه اليوم، عندما يفتح محفظة الذاكرة، يجد في المكنون كينونة غريبة، ويتعجب كيف كانت تلك الصورة تمر من أثر في المكان سوى أنها كانت تحفر في القلب اللعنة اللذيذة، ولم تزل خاوية من الضجيج، وكل ما هنالك أنها عندما تحضر يغيب العالم، وتغيب كل نساء العالم ولا يحضر سوى رسمها المتدفق رونقاً مهيباً، كلما عاينته صرت أبني لي عشاً من خزف، ومن ترياق الأيام الخوالي.. أفل الحلم مثل قمر غط تحت السحاب، صرت أتهجى رؤيته، ولكنه غاب، لكنه استتاب كي يثير في وجدان الطفل الكبير عواصف اللقاء الأول، والقبلة الأولى، ولكني.. ولكني استمرأت صورة لبثت في المكان كأنها طين لازب..
ساورتني صورة، وانتابتني القشعريرة وأنا ألفظ أنفاس الأشواق الحيرى، من شديد البهجة، وقلت في نفسي لماذا هذا العيد يأتي بفرادة متناهية، ويمر على القلب فيقلب تراب القلب، حتى كاد القلب يفتح ملاءة أوسع من جغرافيا العالم، وحتى كدت أنبري مثل فراشة ناتئة تنام على وريقة صفراء تسرّ الناظرين.
بعد حين، بعد حنين، استيقظ الحلم في داخلي، وهز بدني، وترك في عنق الزجاجة بقايا رعشة، وبعض ترنيمة كانت في الزمان، أغنية تتعلق بين حبلين، وبينهما حسناء من جنس الفراشات كلما لمستها، كلما استنهضت أبجديتي، فأحشد جحافل مشاعري وأرتمي بين جبلين، وأغمض عيني وأموء مثل قط أضناه الشظف، فإذا بالفراشة، تحن، وتميل حيالي كي تهدهد من روعي، ومن فزعي، ومن رعب المواقف عندما تصبح الأمكنة غابة موحشة.