في رمضان.. تتفتّح زهرة الروح ونبدأ من جديد في البحث عن علاقة الذات بهذا العالم. حيث تقودنا البصيرة الروحية إلى النظر في معنى الحياة، وإلى التأمل في توازننا ونحن نمشي على الخيط الرفيع الفاصل بين ما يحدث خارجنا، وما يمور في أعماق النفس. ورغم إدراكنا أن السلام الذي نبحث عنه يكمن في الهدوء والسكينة والصمت، فإننا نفضّل الانسياق في الضجيج واللهاث وراء ما تبثه الميديا بكل جبروتها في هذا الشهر بالذات، إلى درجة أن الانزواء قليلاً في الخلوة الروحية، يُعد أمراً صعباً لدى بعضهم وربما مهمة مستحيلة.
في رمضان.. يظنُّ كثيرون أنهم يروّضون الجسد بالصوم، لكن الحقيقة أن هذا الشهر هو لتطهير الروح من شوائب الطمع والجشع والتعلّق بالأشياء التي بلا معنى. هو فرصة للنظر إلى حقيقة علاقتنا بالكون، وهل نحن نضيفُ عمقاً إلى حياتنا وجعلها ذات معنى، أم أن الحياة المادية تدفعنا إلى الدوران في حلقة الاستهلاك الفارغة ومطاردة الوهم والسراب.
في رمضان.. في تلك اللحظات الأشد عطشاً وجوعاً، تتحدث لنا الروح بأنها لا تريد شيئاً سوى التمسّك بالقيم السامية. وبدلاً من الأخذ علينا أن نعطي، وبدلاً من الأنانية علينا أن نؤمن بروح الجماعة والمشاركة والامتنان لوجود الآخرين من حولنا. هكذا نُدرك أننا متصلون روحياً مع البشر جميعاً، وكلما رفعنا من سمو أرواحنا كلما ارتقت البشرية إلى مرتبة الصفح والمحبة والسلم.
في رمضان.. نكتشف أن التواضع أمام عظمة الكون هو الخطوة الأولى نحو التحرر من غرور الأنا. يكفي أن نتأمل في اتساع السماء لندرك أن انشغالاتنا اليومية ليست سوى إلهاء وهروب عن إدراك الحقيقة العظمى التي تتجلى أمامنا، ومع ذلك لا نراها. ألم ينصحنا المعلمون الكبار بالتخفف من ثقل الحياة؟ لو فعلنا ذلك بالتأكيد سنرى الروح تتحرر من قيود الزمن وضيق المكان.
رمضان.. هذا ليس شهر الامتناع، بل شهر الامتلاء بمعاني الصبر. ومن يمتلك الصبر في أيامنا هذه، ينكسر قيده الوهمي وتتكشف له الحقيقة حتى لو أغمض عينيه.
في رمضان.. ندرك أن السكينة لا تأتي من الامتلاك بل من الاكتفاء. ولا تكتفي إلا القلوب التي امتلأت بالوعي وأصبحت تنبض بالمحبة والرغبة في جعل الحياة مكاناً رائعاً للعيش معاً.. أهلاً رمضان.