أعرف فيلسوفاً طلب من كل امرأة أن تختار شمعتها المفضلة، ثم أجلسهن في دائرة الصفات، وراح يقرأ في عيونهن سيرة اللون، ممتداً في البداية امرأة الشمعة الحمراء التي تتقد في الحب، وتؤمن أن الوجود لغز يجب أن يُكشف بالسعي والحركة، وأن الاحتراق ليس بالضرورة هلاك، بل ولادة جديدة لمن طال الظلام من حولهم.
بشمعة برتقالية في يدها، جلست تراقب الغروب وكأنها تشهد حدثاً عظيماً لا يلتفت إليه أحد. تدرك هذه المرأة أن التغيير هو الحقيقة الوحيدة الثابتة، وأن الكمال يكمن في إدراك الفرق الوهمي بين المتناقضات، لأن الليل هو الوجه الآخر للنهار، ولا وجود لأحدهما في غياب الآخر.
هل كانت المرأة ذات الشمعة الصفراء بطبعها صامتة، أم أنها الأكثر تأملاً من بينهن؟ تجلس في زاويتها الهادئة، وتطيل التحديق في اللانهاية، وكأنها تبحث عن اليقظة، عن تلك اللحظة التي يتكشف فيها سر الوجود، ويدرك فيها الإنسان بحسّه وعقله ومشاعره وحدة هذا الكون، وعدم انفصال شيء عن شيء فيه.
بيدين وضعتهما على قلبها، جلست امرأة الشموع الخضراء، وعلى الفور نبت عشبٌ من حولها، وبزغ لحنٌ آسرٌ سرى في الريح، وطهّر الهواء من الغبش. لم تمتهن هذه المرأة فن الكلام، وكان يكفي أن تتنهّد كي تنبعث منها روح المحبة للكون كله. قال الفيلسوف وهو يشير إليها: ليتني ضوء في تنفسها.
المرأة التي شمعتها من الأزرق الفاتح كانت تمارس الهمهمة طوال الوقت، وإلى صوتها العلني هذا، كان الناي يُصغي، والقطرةُ في سكون البحر تتمنى لو ترقص وتكبر لتصير موجة. ابتسم لها الفيلسوف، وترك في يدها منديله وعصاه.
المرأة التي ترى بعين البصيرة، ولا تحتاج إلى الكلام، المرأة التي تنبع الحكمة من ابتسامتها فقط، اختارت الشمعة الكحليّة، وراحت تفركها كي يفوح الانتباه بين الجميع، وتختفي الغفلة من وجودنا. ذلك لأن الذي يراقب الوجود متجرداً من التأثر والتعلق والتشبث بالأشياء، يدرك الفرق بين ما هو زائل وما هو باقٍ، فيظل مبتسماً أمام هذه الحقيقة المدهشة إلى الأبد.
سيدة الشمعة البنفسجية، هي امرأة المعرفة والسر، وهي التي لا تخاف للحظة أن تختفي في الضوء وتذوب فيه. لم يكن عليها أن تُسدي النصائح أو تدل التائهين إلى الطريق، فقط تشق ستارة الغموض وتترك النور يخطفها للأبد.