بدأ علماء الاقتصاد الكلي منذ ستينيات القرن العشرين تحليل إسهامات التعليم في النمو الاقتصادي الكلي؛ لقياس نسبة النمو في الإنتاج التي يمكن إرجاعها مباشرة إلى الزيادة في مستوى التدريب. وقد أظهرت السلسلة الأولى من الدراسات الدولية التأثير الإيجابي المتوقع للتعليم؛ إذ أوضحت أن ارتفاع مستوى التدريب أسهم، في المتوسط، بتحقيق خُمس الزيادة في إنتاجية العمال. ومع ذلك فقد كشفت سلسلة ثانية من الدراسات استخدمت تقنيات الاقتصاد القياسي الأكثر تطوراً، عن نتائج متناقضة إلى حدٍّ ما؛ وهو ما دفع بعض الباحثين إلى التشكيك صراحة في العلاقة بين التعليم والنمو.
وأوضحت الأدلة الحديثة أن النتائج السلبية السابقة تعود في الغالب إلى ضعف جودة البيانات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالاقتصاد القياسي. كما تُبيّن الدراسات الحديثة، التي تعتمد على مجموعات بيانات محسّنة، أن الاستثمار في التعليم له تأثير كبير في نمو الإنتاجية. وقد سلّطت هذه الدراسات الضوء على الدور المهم لكلٍّ من التراكم، والمستوى الأولي لرأس المال البشري في تحقيق النمو الاقتصادي؛ وذلك بتحليل بيانات أكثرَ من 105 دول جرت مراقبتها من ستينيات القرن العشرين حتى أواخر ثمانينياته.
وإلى جانب التحديات المرتبطة بتقدير آثار التعليم في النمو، مكّنت التطورات الحديثة في الاقتصاد الكلي من تحديد دور التعليم والآليات التي تؤثر عبرها في القيمة الإنتاجية؛ فلم تعُد بعض النماذج المستمدة من نظريات النمو الداخلي تَعُدُّ التعليم عامل إنتاج فقط، بل تنظر إليه بصفته عامل ابتكار أيضاً. وفي السياق نفسه تُشير نماذجُ أخرى إلى أن التعليم لا يُعزز الإنتاجية بقدر ما يُعزز قدرة الأفراد على التكيف مع التحولات.
ويُسهم التعليم في تعزيز فعالية سلوكيات التعلم في بيئة غير مستقرة؛ وهو ما يُعيد إلى الواجهة رؤيةً أكثرَ ديناميكية لدور التعليم في النمو الاقتصادي. وقد طوّر إدموند فيلبس هذا النهج بنحوٍ أوّليّ، وركّز على نشر الابتكارات في المجال الزراعي، وخلُص إلى أن المزارعين الأكثر تعليماً هم الأسرع في تبنّي المنتجات والعمليات الزراعية المستحدثة.
يُمكننا -مما سبق- استنتاج أن مستوى التعليم يؤثر في النمو الاقتصادي على المدى الطويل، عبر تعزيزه قدرة الأفراد على التكيف مع التغيرات التكنولوجية؛ ويوفر مجموعة من العناصر التي تُسهم في الفهم، سواء من المنظور التجريبي -مثل تطور معدلات العائد على التعليم-، أو من المنظور النظري -مثل دور التعليم في نشر الابتكارات التكنولوجية-. ومع ذلك لا تزال العديد من التساؤلات قائمة بلا إجابة.
*رئيس قسم اللغة العربية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.