كان التاريخ السياسي لأوكرانيا حافلاً بالانتصارات والهزائم، فقد مرت على أراضيها العديد من الإمبراطوريات والممالك. وعلى مر التاريخ كانت الثروات الطبيعية والمركز الاستراتيجي نقطة قوة وعامل جذب وسبباً لصراعات السيطرة على أوكرانيا بين قوى الشرق وقوى الغرب.

وفي حقب التاريخ المعاصر، تقاسمت قوى الشرق والغرب السيطرة على الأراضي الأوكرانية، وامتدت إليها بالقوة تارة وبالدبلوماسية تارة أخرى، فتقاسمت مساحتها الشاسعة وثرواتها الهائلة. وفي الوقت ذاته ظل تاريخ أوكرانيا وهويتها شاهدين على بلد يمتد إرثه السياسي والاجتماعي عميقاً عبر الزمن.

لقد كان الإنسان الأوكراني شاهداً على مملكة سادت ثم بادت، حيث حمل الأوكرانيون في رحلتهم الطويلة إرثَهم الإنساني والاجتماعي والحضاري، وتاريخَ هويتهم التي ظلت راسخة في المكان قبل أن تتحول إلى هوية إنسانية جامعة، حيث اللغة والثقافة والعرق، وقبل أن تبدأ انقساماتهم بين شرقيين وغربيين، روس وأوكرانيين، وقبل أن تمتد هذه الانقسامات وتتسع لتدخلهم معادلات أكثر تعقيداً، وقبل أن تنتهي بهم صراعات الهوية الحضارية إلى البحث عن الهوية الأوروبية.

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، والتحرر من السيطرة الروسية، بدأت أوكرانيا رحلتَها لاستعادة إرثها الحضاري المتميز، ولتعميق دورها الاستراتيجي والسياسي، معتمدةً على موقها الجغرافي الفاصل بين أكبر القوى السياسية والعسكرية، وعلى ثرواتها الطبيعية الوفيرة، مما جعلها كنزاً اقتصادياً تتعاظم أهميته مع تعاظم الأزمات التي تعصف بالعالم، ومع تزايد التجاذبات بين الغرب وروسيا الراغبين في توسيع النفوذ داخل منطقة أصبحت أكثر جذباً وأضعف قوةً. ومع رغبة أوكرانيا في أن تصبح جزءاً من الفضاء الأوروبي، الثقافي والسياسي والاقتصادي والأمني، تحركت روسيا للسيطرة على أجزاء منها، بغيةَ قطع الطريق على الخطط الأوروبية، وبهدف وقف التناغم مع الرغبات الأوكرانية.

ومع تزايد التقارب بين الغرب وأوكرانيا، ومع اقتراب تنفيذ مخطط ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، تحركت روسيا بفتح جبهة امتدت على طول حدودها، قبل أن تقود حربَ استنزاف للغرب، ومعركة تعطيلٍ لكافة برامج التنمية والتحول الأوكرانية.

لم ينجح الغرب في إضعاف روسيا أو في هزيمتها، أو حتى إجبارها على التخلي عن أهدافها، بل انهارت أوكرانيا وعجز الغرب عن الاستمرار في تحمل تبعات الحرب التي ذهبت بعيداً في تأثيراتها الاقتصادية والتنموية والاستثمارية على أوروبا بصفة خاصة. واليوم، وبعد أن أدرك الغرب حجم المستنقع الذي جرَّ نفسَه إليه، وبعد أن رفضت أميركا في ظل قيادة ترامب الاستمرارَ في دعم أوكرانيا، فإن الحرب الروسية الأوكرانية قد أوشكت على نهايتها، وستكون الفاتورة كبيرة ومؤلمة بالنسبة لأوكرانيا على الخصوص، فمستقبل ما اقتطع من أراضيها غامض، والاتفاقيات التي تنتظرها مجحفة، وسلامها الذي تسعى إليه سيكون هشاً، ومستقبلها الذي حلمت به ضمن الكيان الأوروبي الكبير أصبح مستقبلاً مجهولاً ومهدداً في كل جوانبه، فلا تنمية تحققت، ولا سُبُل في الأفق لإعادة الإعمار أو لبناء الاقتصاد والاستثمار.

وسيتذكر الإنسان الأوكراني بكثير من الحسرة سنوات الحرب، خاصة بعد العودة إلى بلاده المدمرة. ولعل أسوأ ما في هذه الحرب بالنسبة للرئيس الأوكراني الحالي، فولوديمير زيلينسكي، بالخصوص، هو لقاؤه الأخير مع الرئيس الأميركي ونائبه، واضطراره بعد ذلك لقبول تنازلات كان يرفضها في السابق، وذلك بعد أن تكشفت له أخطاءُ كثير من الخيارات والقرارات السابقة.. وبالطبع ليس هناك ما هو أسوأ من الحرب نفسها، إذ تجبر في الأخير على اتخاذ قرارات صعبة.

*كاتبة إماراتية