لعبت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق الدور المحوري في العلاقات الدولية بين مطلع الخمسينيات وآخر الثمانينيات. ورغم أن تفكك الاتحاد السوفييتي أضعف وريثته الأساسية روسيا، فقد حجزت لنفسها مكاناً مهماً في النظام العالمي، وخاصةً منذ أن تولى فلاديمير بوتين رئاستها عام 2000. ومنذ ذلك الوقت صارت التفاعلات الروسية الأميركية الأوكرانية إحدى أهم ملفات العلاقات الدولية، وإن اختلفت أنماطها من مرحلة إلى أخرى، وتناقضت أو كادت في مرحلتها الحالية عما كانت عليه في فترتها الأولى.
يتناقض مشهد التراشق الحاد الذي حدث بين الرئيس ترامب ونائبه فانس والرئيس الأوكراني زيلينسكي، يوم الجمعة الماضي في البيت الأبيض، مع مشاهد العلاقات بين واشنطن وموسكو وكييف في مرحلتها الأولى.
كانت علاقات كييف، بُعيد استقلالها في أغسطس 1991، متينةً مع كلٍ من واشنطن وموسكو. فقد كانت في قلب التفاعلات الأميركية الروسية خلال مرحلة نقل الأسلحة النووية، التي كانت موجودة فيها، باعتبارها جزءاً من الترسانة السوفييتية، إلى روسيا. وأُجريت محادثات طويلة حول تلك الأسلحة عامي 1992 و1993 أسفرت عن عدد من الاتفاقيات والتفاهمات أُصدر على أساسها بيان ثلاثي في يناير 1994. وتضمن ذلك البيان التزامَ أوكرانيا بنزع السلاح النووي ونقله إلى روسيا مقابل دعم اقتصادي وضمانات أمنية من جانب كل من موسكو وواشنطن. وبناءً على ذلك وُقعت مذكرة بودابست الثلاثية في ديسمبر 1994 حول الضمانات الأمنية لأوكرانيا. وعندها اطمأنت أوكرانيا وانضمت إلى معاهدة عدم الانتشار النووي في الشهر نفسه بصفتها دولةً غير نووية. واستمراراً لذلك المسار أصدرت موسكو وواشنطن في عام 2009 بياناً مشتركاً أكد أن الضمانات الأمنية لأوكرانيا ستظل ساريةً، وفقاً لمذكرة بودابست، بعد انتهاء العمل بمعاهدة ستارت للحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية في ديسمبر من ذلك العام.
غير أن المسار الإيجابي بدأ يُقلب بعد التغيير الداخلي الذي حدث في أوكرانيا عام 2005. فقد اتخذت الحكومات الأوكرانية خطوات لتحقيق تقارب متزايد مع واشنطن والغرب وأخرى للابتعاد عن موسكو. وبدأ الحديث عن انضمام كييف إلى حلف «الناتو» خافتاً ثم أخذ يعلو تدريجياً، فأثار قلق موسكو وخلق حالةً تشبه الحرب الباردة القابلة لأن تسخن، وهو ما ظهرت أولى مؤشراته في اجتياح القوات الروسية شبه جزيرة القرم عام 2014. واستمرت هذه الأجواء الملبدة في السنوات التالية، وصولاً إلى إعلان روسيا الحرب على أوكرانيا في فبراير 2022، وتنامي التوتر بين موسكو والغرب. ولم تكن هذه مجرد حرب بين دولتين جارتين، بل نقطة تحول بلغ فيها العداء بين موسكو وكل من كييف وواشنطن أعلى ذروة في تاريخ العلاقات بين الأطراف الثلاثة. لكن مع نهاية سنة الحرب الثالثة تحرك الرئيس ترامب، سعياً لإعادة العلاقات إلى مسارها الإيجابي السابق، بدءاً بوقف الحرب لتمهيد الطريق أمام علاقات متوازنة مع كل من كييف وموسكو. لكن محاولته لم تحقق النجاح الذي كان مأمولاً، وإن بقيت لها فرصة رغم المشهد المثير غير المسبوق في البيت الأبيض يوم الجمعة الماضي. 

*مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية