«يجب أن تترك جميع المنظمات السلاح، ويجب حل حزب العمال الكردستاني. أرسل تحياتي إلى جميع الأطراف التي تؤمن بالتعايش المشترك وتستجيب لدعوتي». بهذه العبارات وجه عبدالله أوجلان، مؤسس «حزب العمال الكردستاني»، والذي يقبع في سجن في السجن منذ 26 عاماً، الخميس 27 فبراير المنصرم، دعوة تاريخية لحل الحزب وإلقاء السلاح، مؤكداً أنه يتحمل المسؤوليةَ التاريخيةَ عن هذه الدعوة.
وجاءت دعوة أوجلان في رسالة مطولة عنوانها «دعوة للسلام والمجتمع الديمقراطي»، نقلها عنه وفد «حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب»، وبدأها أوجلان بشرح سبب تأسيسه للحزب المسلح، قبل 47 عاماً، بهدف إنشاء «دولة كردستان الكبرى»، وكيف تطورت أيديولوجيته وفقاً للظروف، وكيف وصل إلى هذه المرحلة، ولماذا لم ينجح في تحقيق أهدافه، وقال: «حركة التمرد والعنف الأطول والأشمل في تاريخ الجمهورية، وهي حزب العمال الكردستاني (PKK)، وجدت القوة والقاعدة الشعبية نتيجة لإغلاق قنوات السياسة الديمقراطية».
وقد تأسس «حزب العمال الكردستاني» على يد عبدالله أوجلان في عام 1974، بهدف إقامة دولة كردية مستقلة في المناطق ذات الأغلبية الكردية داخل تركيا وسوريا والعراق وإيران، وتبنَّى الكفاح المسلح ضد الحكومة التركية متهِماً إياها باضطهاد الأكراد ومنعهم من ممارسة حقوقهم الثقافية والسياسية. ومنذ مطلع الثمانينيات تصاعدت العمليات العسكرية بين الحزب والقوات التركية، حيث استمر الحزب في تنفيذ عمليات عسكرية ضد القرى والمواقع العسكرية التركية، بينما أطلقت أنقرة عمليات واسعة النطاق ضد معاقل الحزب في المناطق الجبلية والمناطق الحدودية مع سوريا والعراق. وفي 15 فبراير 1999، تمكنت تركيا من اعتقال أوجلان حيث حُكم عليه بالمؤبد.
ومن سجنه دعا أوجلان الحزبَ لإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، والانسحاب من الأراضي التركية، وهو ما تم بالفعل في نهاية عام 1999 حيث أعلن الحزب وقف إطلاق النار والتزم به حتى عام 2004، حيث شهدت هذه الفترة انخفاضاً في مستوى العمليات المسلحة. وفي عام 2005 أعلن أوجلان، في بيان من سجنه، تحوُّل حزب العمال الكردستاني إلى حزب سياسي يدعو إلى الحكم الذاتي بدلاً من الاستقلال التام، في محاولة لإيجاد تسوية مع الحكومة التركية.
أما الحكومة التركية من ناحيتها فبدأت الاعتراف تدريجياً بالقومية الكردية وبالحقوق الثقافية للشعب الكردي وبفتح قنوات حوار، حيث بدأت بمسار تسوية سياسية مع حزب العمال الكردستاني ابتداءً من عام 2009. إلا أن العام 2014 شهد تصاعداً للتوترات بين تركيا وحزب العمال الكردستاني بسبب الأزمة السورية، إذ أعادت التطورات السورية حلم الدولة الكردية، فاستأنف الحزب عملياته داخل تركيا، فردّت الحكومة التركية بعدة عمليات ضد امتدادات الحزب في سوريا وشمال العراق، وعادت الهجمات والهجمات المضادة حسب تطورات الساحة السورية.
وفي عام 2023 بدأت بعض القوى السياسية التركية تتحدث عن ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات مع أوجلان، وفي عام 2024 تبنى «حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب» الدعوةَ إلى السلام بين الأتراك والأكراد، حيث قدّم لأوجلان عرضاً يدعو «حزب العمال الكردستاني» إلى إلقاء السلاح، وهو ما حصل فعلاً.
ورحب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدعوة أوجلان حزبَ العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وحلّ نفسه، معتبراً هذه الدعوة بمثابة «فرصة تاريخية». وعلى مدى عقود، ظل الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني أحد أكثر الملفات تعقيداً؛ فمن عمليات عسكرية إلى مفاوضات سلام إلى عودة للعمليات العسكرية.. وهكذا كانت العلاقة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.. فهل تضع دعوة أوجلان الحالية نهايةً للصراع ولحلم كردستان الكبرى؟
* كاتبة إماراتية