توشك العلاقات الأميركية الروسية على الانتقال إلى مرحلة جديدة، ربما تكون مختلفةً عن سابقاتها منذ عقود طويلة. فقد بدأ الرئيس رونالد ترامب عهده بإعادة تأكيد ما طرحه خلال حملته الانتخابية عن التعامل مع روسيا بطريقة مختلفة، والعمل جدياً لوقف الحربين في أوكرانيا وغزة، والالتزام بحل الصراعات الدولية. كما بشّر في خطاب تنصيبه بأنه سيكون صانع سلام.
لم يضيع ترامب وقتاً. اتخذ خطوة سريعة للغاية بعد دخوله البيت الأبيض، إذ اتصل بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واتفقا على تحرك فوري بدأ فعلاً بلقاء بين وفدين على مستوى عال من البلدين في الرياض. وبدا ذلك اللقاء التمهيدي واعداً ومُبشراً، سواء على صعيد إصلاح العلاقات الثنائية بكل ما يمكن أن يترتب عليه من تغير في أنماط العلاقات الدولية، أو على صعيد وقف الحرب في أوكرانيا والتوصل إلى تسوية سلمية قد تشمل مراجعة نظام الأمن الإقليمي في أوروبا.
ولهذا يُتوقع أن تكون القمة الأميركية الروسية المرتقبة في الرياض تاريخيةً بمعنى الكلمة، وخاصةً إذا أبدى بوتين استعداداً لمقابلة ترامب في منتصف الطريق لتيسير نقل العلاقات بين الدولتين من وضعية الصراع شبه الصفري السائد منذ نشوب الحرب في أوكرانيا، إلى حالة الربح المتبادل Win-Win.
وفي هذه الحالة ربما تصبح قمة ترامب - بوتين الأكثر أهمية في تاريخ العالم، وليس في العلاقات بين الدولتين فقط، منذ مؤتمر يالطا الذي عُقد عام 1945، واتفق خلاله الرئيس الأميركي روزفلت والزعيم السوفييتي ستالين، بمشاركة رئيس الوزراء البريطاني تشرشل، على ترتيبات سياسية وأمنية، وقواعد لتنظيم التنافس لضمان عدم نشوب حرب عالمية جديدة. وكان ما أسفر عنه ذلك المؤتمر هو الأساس الذي قام عليه نظام عالمي استمر نحو أربعة عقود ونصف العقد حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولا غرو في ذلك، فبرنامج القمة المنتظرة سيكون حافلاً بقضايا كبرى يرتبط بعضها بالعلاقات بين الدولتين، فيما يتصل بعض آخر منها بالتفاعلات الدولية، وكذلك الإقليمية في مناطق عدة وخاصةً شرق أوروبا والشرق الأوسط، حيث تدور رحى حربين مختلفتين في طبيعتهما، ولكنهما تهددان الاستقرار العالمي.وإذا حدث ذلك، ستكون قمة الرياض بداية مرحلة جديدة في النظام العالمي، كما في العلاقات بين واشنطن وموسكو، وسيوضع فيها الأساس المبدئي لتوازن استراتيجي جديد، وخاصةً إذا شهدت اتفاقاً على مقترح الرئيس ترامب بشأن وقف سباق التسلح النووي المُكلف للدولتين والخطِر على مستقبل البشرية.
فالعالم في أشد الحاجة إلى اتفاقية جديدة للحد من التسلح، بعد أن أوقف العمل بكل الاتفاقيات السابقة، باستثناء اتفاقية ستارت الثانية التي تقترب فترة سريانها من الانتهاء في العام المقبل. ولهذا يجوز، من باب التفاؤل التاريخي الذي لا يخلو من حذر، المقارنة بين قمتي الرياض ويالطا من حيث الظروف المحيطة بكل منهما. فقد أحدث ترامب خلال شهر واحد صدماتٍ من النوع الذي يحفز على التحرك إلى الأمام ويفتح طرقاً جديدة افتقد العالَمُ مثلَها في السنوات الماضية.
*مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية