من جديد، وللمرة الثانية استهدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها، بعد أن أصدر أمراً تنفيذياً يفرض عقوبات على هذه المحكمة، وذلك بسبب ما اعتبره اضطهاداً للولايات المتحدة وحلفائها بما في ذلك إسرائيل. وقال ترامب في الأمر التنفيذي: «ستفرض الولايات المتحدة عواقب ملموسة ومهمة على المسؤولين عن تجاوزات المحكمة الجنائية الدولية، والتي قد يشمل بعضها حجب الممتلكات والأصول، وكذلك تعليق دخول مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها وعملائها وأفراد أسرهم المباشرين إلى الولايات المتحدة، لأن دخولهم إلى أمتنا سيكون ضاراً بمصالح الولايات المتحدة».
وأضاف ترامب في قراره التنفيذي أن «تجاوزات» المحكمة الجنائية الدولية تشمل فتح تحقيقات ضد أفراد من الولايات المتحدة ومن حلفائها بمن في ذلك إسرائيل. وصدر الأمر التنفيذي في السابع من شهر فبراير الجاري، وأثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن، مما يعني أن إصدار الأمر يمثل سعياً إلى حماية المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين من مواجهة أي اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أمام الجنائية الدولية. وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في 21 من شهر نوفمبر الماضي مذكرات اعتقال بحق كل من نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، والقائد في حركة «حماس» محمد دياب إبراهيم المصري (المعروف بلقب الضيف)، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
وكان ترامب في ولايته الأولى قد أصدر أمراً تنفيذياً في يونيو 2020، يسمح للولايات المتحدة بحظر أصول موظفي المحكمة الجنائية الدولية ومنعهم من دخول البلاد، بمن في ذلك المدعية العامة للمحكمة آنذاك فاتو بنسودة. وذلك بعد أن شرعت المحكمة في إجراءات التحقيق حول جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبتها الولايات المتحدة وغيرها خلال الصراع الأفغاني. إلا أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن رفعت تلك العقوبات.
لقد أثبتت المحكمة الجنائية الدولية، على مدى سنوات، نفسَها كمؤسسة قضائية دائمة ومستقلة أُنشئت للتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الاعتداء ومقاضاة المسؤولين عنها.. وضمان وصول الضحايا إلى العدالة. ونجحت المحكمة في محاكمة أفراد بشأن جرائم حرب ارتكبت في يوغوسلافيا السابقة. كما حققت في بعض من أكثر الصراعات عنفاً في العالم، بما في ذلك الصراعات في إقليم دارفور السوداني، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي قطاع غزة وجورجيا، وفي أوكرانيا. وهي تعقد حالياً جلسات استماع علنية حول 31 قضية. لكن لعدم امتلاكها شرطة دولية، كالأنظمة القضائية الوطنية، تعتمد المحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ قراراتها على تعاون الدول الأطراف، بما في ذلك تنفيذ أوامر الاعتقال أو الاستدعاء.
والجدير بالذكر هنا أيضاً أن المحكمة الجنائية الدولية لا تعقد محاكمات غيابية، لذا ستظل أوامر القبض الصادرة عن المحكمة سارية المفعول ما لم يقرر القضاة غير ذلك، وهي لا تسقط بالتقادم. لكن إذا لم يمثل المشتبه بهم، سواء بشكل طوعي أم بعد إلقاء القبض عليهم، فإن القضايا تظل في المرحلة التمهيدية ولا يمكن أن تتحول إلى مرحلة المحاكمة.
إن جهود عرقلة عمل المحكمة الجنائية الدولية تعني استمرارَ عرقلة العدالة الدولية وأن حلقة الإفلات من العقاب مستمرة، لذا على الدول الأعضاء الالتزام بالدفاع عن المحكمة ومسؤوليها، والمتعاونين معها من أي تدخل أو ضغط سياسي. كما ينبغي للدول الأعضاء وضع تدابير لحماية العمل الأساسي للمحكمة من العقوبات، ودعم المحكمة كي تقوم بالمهمة التي أنشئت من أجلها، وهي حماية الضحايا وضمان ألا يكون أحد فوق القانون.
*كاتبة إماراتية