ربما لا توجد صعوبة في الكتابة حول عنوان عام كالعنوان الذي تحمله هذه المقالة «عام المجتمع»، لكن الصعوبة قد تكمن في تحديد المجتمع الذي هو هذا عامه. ومحدثكم كمتخصص في علم السياسة أول ما يتبادر إلى ذهنه عند البدء في الحديث عن عام المجتمع هو الحديث عن علاقة المجتمع بالدولة. ومثل هذا الحدث لا يمكن الإدلاء به في فراغ، أو أنه قد يتأتى من فراغ، إنما من خلال وجود مشروع متكامل تتبناه جهة بحثية رصينة، وتتولى إخراجه إلى النور في شكل أبحاث علمية متناسقة تشمل محاور أربعة يقوم عليها هي: مجتمع دولة الإمارات، والمجتمع في الخليج والعالم العربي، والمجتمع في العالم النامي، وأخيراً المجتمع على النطاق العالمي.وعندما يطرح شعار مسمى «عام المجتمع»، فإن ما نعتقده هو وجود هدف من إطلاق هذا الشعار، وأخاله هنا بأنه استشراف مستقبل المجتمع المقصود الذي تم تخصيص عام له.
ومثل هذا الهدف يحتاج إلى مشروع بحثي - علمي ضخم يكون جامعاً وشاملاً. ويمثل مشروع استشراف مستقبل المجتمع في عام المجتمع جهداً علمياً جماعياً من المفترض أن يشترك فيه مجموعة من علماء الاجتماع وعلم السياسة وخبراء الاقتصاد، ومتخصصون آخرون في شتى مجالات العلوم ذات العلاقة بالمسمى والشعار المطروح. والهدف من ذلك هو التعرف على إمكانات المجتمع المعني وقدرات شعبه، حاضراً ومستقبلاً، ضمن المتغيرات الكبرى على الصعيدين العربي والعالمي.
إن ما نعتقده هو أن هذا المشروع الذي ندعو إليه باستشراف مستقبل المجتمع في «عام المجتمع»، هو عمل رائد وفريد وغير مسبوق، خاصة إذا ما رأى النور، وهو شامل وموسوعي من حيث المنهجيات والأساليب وجودة نوعية المتخصصين المشاركين في أبحاثه وإعدادهم المنتقاة بعناية من ذوي الاختصاص من مواطني دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي والمواطنين العرب، ومن حيث المساحة الزمنية التي تتاح لهم لإنجاز أبحاثهم بأريحية، ومن حيث الجهات البحثية التي تتبنى المشروع وتلك التي يتم استقطاب الباحثين المتخصصين منها، فالمشروع المقترح هو عمل بحثي يحتاج الباحثون فيه إلى دعم معنوي ومادي من جانب، وستكون له نتائجه الإيجابية لو تحقق من جانب آخر.
ومن التجارب التي شاركنا فيها في مثل هذه المشاريع الضخمة المتعلقة بالاستشراف المستقبلي نستخلص بأنها تستغرق وقتاً لإنجازها، وتحتاج إلى فرق عمل عدة منها، فريق عمل مركزي يتولى الإدارة والتصميم والتخطيط والتنفيذ للمشروع. هذا الفريق المركزي عليه أن يتحلى أثناء فترة عمله بالصبر والأناة والحكمة والاستعانة بذوي الخبرة من الباحثين والمفكرين، ومن لهم خبرة في مثل هذه المشاريع الكبيرة القادرين على العمل الجماعي الرصين.
إن مثل هؤلاء سيتداولون ويتفاعلون مع أعضاء الفريق المركزي في كل مرحلة من المراحل. لكن التفاعل الأهم هو الذي سيحدث بين أعضاء الفريق المركزي الذين يشكلون صلب إدارة المشروع، وسيحدث تفاعل شبيه ضمن كل محور بين الفرق الفرعية التي سيتم تشكيلها لتولي إنجاز الدراسات في المحاور الأربعة. إن الجهات التي يمكن لها تبني المشروع في دولة الإمارات كثيرة، لكن لو كان لي أن أرشح جهة بعينها دون انتقاص من الجهات الكفوءة الأخرى لوقع اختياري على مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، فهو في تقديري الأقدر للاضطلاع بهذا المشروع في «عام المجتمع».
*كاتب إماراتي