إن مشروع تفكيك وتقسيم العالم العربي لم يعد مسألة مؤامرة فحسب، بل مشاريع قائمة وإعادة سيناريو غزة في الضفة الغربية قادم لا محالة، ولحدوث تغييرات جذرية سنرى تحالفات كنا نعتقد أنها مستحيلة، وأحداث كبرى ستضر بالدول العربية، ضمن إطار حروب الجيل الثامن، وبؤر أزمات جيوسياسية لوقف وصول دول معينة للقمة ووقف انهيار اقتصاد دول أخرى تريد أن تبقى في القمة، والتي بدأت تمارس اقتصاد الأزمات كمصدر دخل رئيسي لميزانياتها المتأرجحة في السنوات الخمس الأخيرة، وبالتالي تسخير مصادر وأدوات قوتها الوطنية هو مصطلح خادع كونها تستخدم كل مصادر وأدوات القوة المتاحة في مجالها الحيوي، والتي تمثله الكرة الأرضية ككل! وتأصيل مسارات سيادة العالم، وهو أمر جلل ستلامس أبعاده دون شك العالم العربي بالتحديد، والذي سيحتاج إلى الهمم قبل القمم.
ما يحدث من تطورات تتعلق بالقمع السياسي، وإرهاب بعض الدول وأجواء الحروب التجارية، يجب أن يكون جرس إنذار لدول الخليج لكي تضع مصالحها فوق الجميع، من خلال سياسات شراكة مستدامة مع عمقها العربي، وبناء علاقة شمولية وحقيقية مع دول الجوار الإقليمي، والتأكيد على أن استقرار المنطقة مرتبط بإنهاء الصراع في فلسطين ولبنان وإسرائيل وسوريا وحتى إيران والعراق، وإعلان دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية.
وإنْ كان خلق فرصة للدبلوماسية القسرية ليس خياراً خليجياً، لكن بالمقابل ينبغي أن تكون الدبلوماسية الاقتصادية والرقمية أهم أسلحتها، ولمقاومة الاحتكار الرقمي، لابد من تعاون أكبر مع الصين لتوفير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وعدم التركيز فقط على الواجهات النهائية لتلك التقنية، والشراكات التي لا تتضمن البنية التحتية التقنية والمواد الخام لتلك الثورة ونقل أسرارها المعرفية للمنطقة.
ومن زاوية مغايرة، من المتوقع أن تظهر بوضوح ملامح أزمة الخصوبة والمواليد الجدد، ونسبة الطلاق المرتفعة للغاية في بعض دول الخليج لتمهد لتغيرات اجتماعية من جهة، وتحديات أشد مما واجهته في السابق، من جهة أخرى، كما هو الحال في ما يخص التعامل مع الأوبئة والجائحات، ولا أعتقد أن جاهزيتها تختلف كثيراً عن السنوات السابقة، ومنظومات إدارة الأزمات لديها تعاني، حيث تغيب عنها الهيكلة المؤسسية، ولم يتم تحديث منظومة إدارة مخاطر الكوارث بالقدر الذي يجعل التبعات محدودة وغير مؤثرة بشدة على بنيتها التحتية، وهي معضلة الإدارة العامة وربطها بالتنمية الوطنية. ونستطيع أن نقول بكل أريحية، إن الجاهزية للتعامل مع الكوارث في العالم العربي ستواجه هذا العام تحديات تكشف ضعفها، وإنْ كنا لا نتمنى ذلك، ولكن هي تحديات أشبه بحروب، كما ذكرنا آنفاً، ومحاولات لفرض واقع جديد أكثر من كونها ظواهر طبيعية واجتماعية.
ولربما واجهت دول المنطقة أزمة انسيابية سلاسل التوريد والإمداد، وتوفر بعض البضائع الحيوية، نظراً لما يحدث في العالم، وما هو متوقع أن يحدث، ولا يجب أن يقتصر الحل على شراء شركات غذائية واستثمار زراعي خارج المنطقة على سبيل المثال، لأنها ستتأثر بالأحداث العالمية هي الأخرى، وستكون لها أولويات، وفق موقعها والدول التي تنتمي لها، ولذلك فالحلول الجذرية يجب أن تأتي من الداخل وللداخل. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل عودة الإرهاب منتظرة إلى الساحة كأداة ضغط سياسي يمارس على دول المنطقة؟
ولا يزال العبء الأكبر هو ضمان التزام حلفاء المنطقة الراسخ بالدفاع عنها في حالة العدوان أو الاضطرابات الداخلية، إضافة إلى الخوف من انهيار جزئي للاقتصاد الأميركي قد يمتد إلى دول الخليج، بالإضافة إلى ميل ترامب القوي إلى تعزيز الإنتاج الأميركي من النفط، والذي قد لا يتماشى تماماً مع مصالح منتجي النفط في الخليج، ما يثير معضلة تحقيق التوازن بين هذه المصالح التنافسية، ناهيك عن نية الحكومة الأميركية إلغاء جوانب من قانون خفض التضخم لعام 2022، وهو تشريع مهم يهدف إلى تعزيز استثمارات الطاقة النظيفة. ومثل هذه التحركات قد تعيق محاولات دول الخليج لتحقيق النمو المستدام، ولربما تؤدي إلى تباطؤ النمو المحتمل في دول مجلس التعاون الخليجي في ظل ولاية ترامب الجديدة بنحو 0.2% نتيجة سياسة الرئيس الأميركي تجاه فلسطين، ناهيك عن حروبه الاقتصادية.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.