يختار الرؤساء الأميركيون القضايا التي تتصدر أولوياتهم بناءً على رؤية كل منهم لأهميتها. وعندما يضع الرئيس دونالد ترامب قضية شراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك في مقدمة أولويات إدارته، فهذا يعني أن لها أهمية استراتيجية كبيرة في تقديره. والملاحظ أن اهتمامه بها بدأ قبيل دخوله البيت الأبيض. فقد تحدث للمرة الأولى عن ضرورة الاستحواذ على الجزيرة يوم 23 ديسمبر الماضي، خلال إعلانه تعيين كين هوبري سفيراً لبلاده لدى الدنمارك. وقال إن «امتلاك هذه الجزيرة ضرورة ملحة لأغراض الأمن القومي».
ويبدو أن ترامب يريد ترسيخ تفوق الولايات المتحدة في سباق التسلح الفضائي عن طريق تعزيز قدرات قاعدة «بيدوفيك» العسكرية الفضائية التي تديرها في جزيرة غرينلاند منذ عام 1951، أي قبل عامين من ضمها رسمياً إلى الدنمارك عام 1953. ولا يخفى أن أهمية غرينلاند تزداد بمقدار ما يؤدي الاحتباس الحراري إلى ذوبان الجليد الذي كان يغطي أجزاء كبيرة من مساحتها لنحو تسعة شهور في العام.
يريد ترامب تطوير قاعدة «بيدوفيك» بما يتيح ضمان مراقبة فضائية مناسبة لمنطقة واسعة حول الجزيرة، عن طريق تحديث نظام الإنذار المبكر فيها لرصد أي تحرك والإبلاغ عنه في وقت قياسي، ومن ثم استعادة دورها الذي كان في مرحلة الحرب الباردة الدولية بين مطلع خمسينيات ونهاية ثمانينيات القرن الماضي. فقد وُضعت فيها قاذفات قنابل وطائرات استطلاع تابعة للقيادة الجوية الاستراتيجية، علاوةً على صواريخ اعتراضية وأخرى أرض- جو محملة برؤوس نووية. لكن مع انتهاء الحرب الباردة تناقصت المعدات العسكرية الموجودة بها تدريجياً. ولا يوجد بها الآن إلا سرب التحذير الفضائي رقم 12 وسرب العمليات الفضائية رقم 23.
والمُتوقع أنه في حالة نجاح ترامب في شراء الجزيرة، سيُصار إلى تعزيز القوات الأميركية الموجودة في القاعدة، وربما إقامة منشآت عسكرية واقتصادية تضاعف أهميتها الاستراتيجية التي فطنت إليها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وخاصةً عندما سعت قوات ألمانيا النازية إلى إقامة مراصد جوية في الجزيرة لمراقبة القطب الشمالي ومحيطه خلال غزوها منطقة شمال أوروبا في أول أبريل عام 1940. وعندها خشيت الولايات المتحدة، التي لم تكن قد دخلت الحرب في ذلك الوقت، من احتلال الألمان الجزيرة، فقامت بعملية سريعة في منتصف الشهر نفسه لبسط سيطرتها وتدمير المراصد الألمانية.
ويبدو، والحال هكذا، أن ترامب يريد إعادة إنتاج هذا التاريخ في ظروف مختلفة، عبر عملية استباقية جديدة لتجنب احتمال أن تسعى الصين وروسيا، أو كلتاهما معاً، إلى إيجاد موطئ قدم فيها من خلال اتفاقات مع الدنمارك. ويريد ترامب أيضاً إقامة مشاريع كبيرة لاستغلال الثروات المعدنية الموجودة فيها، وأهمها معدن الكوبوليت الضروري لإتمام عملية التحليل الكهربائي في إنتاج الألمونيوم.
وهكذا يرجَّح أن تكون منطقة القطب الشمالي إحدى المناطق التي تتجه إليها أنظار العالم في الفترة المقبلة لمتابعة التفاعلات المرتبطة بسعي ترامب إلى شراء غرينلاند، وخاصةً في ضوء رفض حكومة الدنمارك حتى الآن التنازل عنها.
*مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية