بعد حدث العام 2001 انتشرت في المجال الدولي أطروحة مواجهة الأصوليات والحرب العالمية على الإرهاب. وجاءت الموجة الثانية من الحملات بعد عام 2014 عندما سيطر تنظيم «داعش» الإرهابي على مدن وبقاع في سوريا والعراق.

    وفي الوقت الذي شاركت فيه دول عربية مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، نشطت جهودٌ كثيرةٌ لفتح قنوات للحوار بين الأديان والثقافات لجلاء القتام الذي ألحقته التنظيمات الإرهابية بوجه الإسلام. وفي الوقت نفسه بُذلت جهود في تجديد الخطاب الديني والإصلاح الإسلامي. وقد أثمرت تلك الجهود لعدة جهات، أولها تجديد في المؤسسات الدينية، وتطوير أجهزتها للتأهل والتأهيل. التأهل في مجال معرفة العالم ومتغيراته ومستجدات الأديان والثقافات.

والتأهيل في مجال التعامل مع الجمهور المسلم ومستجداته أيضاً. وثاني تلك المجالات أو الجهات الإعلانات والبيانات التنويرية والإصلاحية، إما على الانفراد أو بالاشتراك مع الأديان والكنائس المسيحية. وقد اشتهرت من بينها رسالة عمان (2004)، ومؤتمرات مؤسسة الملك عبد الله لحوار الأديان والثقافات (2007)، وإعلانات وبيانات منتدى تعزيز السلم بأبوظبي منذ عام 2014، وصولاً إلى الذروة في عام 2019 بالبيانات والمواثيق: وثيقة الأخوّة الإنسانية بين البابا وشيخ الأزهر بأبوظبي، وميثاق حلف الفضول الجديد عن منتدى أبوظبي للسلم، ووثيقة مكة المكرمة عن رابطة العالم الإسلامي.  

  وما خفّ النشاط ولا توقف لأن المؤسسات التي ظهرت ظلت تعمل. وإنما تأثرت فعالياتها بسبب وباء كورونا. لكن منذ عام 2022 استجدت حاجاتٌ وظهرت ضرورات. صحيح أن «داعش» انهزم، وأن نزعات التطرف باسم الإسلام توارت في مصر وتونس، لكنّ الأحزاب المسلَّحة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق والسودان، المدعومة من الخارج، حرّكت موجاتٍ من التطرف باسم المقاومة أو باسم المعارضة! لقد صارت لهذه الحزبيات جماهير بسبب الانتفاع أو بسبب التأثر بالقضية الفلسطينية. وبدواعي الإثارة والاستثارة من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني نشبت حروب العامين 2023 و2024 والتي أحدثت مآسي وإباداتٍ وانتحاريات، وعلى ذلك ما تزال بعض جماهير الشباب مندفعةً من وراء الميليشيات العاملة بزعْمها من أجل التحرير.

    إنّ هذا الواقع المستجد هو الذي يدفع باتجاه حوارٍ عقلاني متنور. صحيح أن اليمين الإسرائيلي متعطش للحرب مع بدعة تهجير فلسطينيي غزة إلى خارجها الآن، وأنّ حروب الميليشيات ما صنعت تحريراً أبداً بل أدّت دائماً إلى كوارث ومذابح.  

  والأفعال وردود الأفعال في الأمور العسكرية والأمنية هي من شأن الدول. لكن ما نقصده بالحوار من الجانب الديني والثقافي هو التركيز على إمكانيات التطرف الديني من جديد بدواعي التحرير أو لتحدي الدول الوطنية بالعودة لتبني أو نصرة أفعال الميليشيات الانتحارية.

    لا بقاء في العالم ومعه إلا بالدولة الوطنية المستقرة التي تتعاطى مع مواطنيها بالمواطنة، ومع الملفات القومية بالتعاون والدعم وأطروحة الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين.     إنّ هذه الموجة غير العقلانية تعتدي على الدين والسكينة، وتنشر عذاباتٍ وتناقضات. ومن شأن الحوارات التي يبادر إليها رجالات الدين والمؤسسات والمثقفون أن تعطي أبعاداً تنويرية، تُسهم في إخراج الدين من حمأة الصراع.

    لقد تفاقم أيضاً واقع الإسلاموفوبيا في أوروبا والعالم. صحيح أن ذلك كان من ضمن متغيرات أوروبية داخلية، لكنّ الأمر ينعكس علينا كما على المسلمين المقيمين في الغرب. فلا بد من متابعة الحوار والتواصل مع الجهات الغربية أيضاً.     إنّ الخطر على وجهة الإسلام حقيقي ومحسوس، ولا يمكن الاستسلام للميليشيات المسلحة وتحمل النتائج، فلا بد من المبادرة.

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية