إحدى أهم السمات المميِزة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سيعود إلى البيت الأبيض اعتباراً من يوم الاثنين المقبل، صعوبة التنبؤ بكثير من قراراته، وعدم إمكانية توقع ردود أفعاله. فمن أصعب الأمور تصور الطريقة التي سيتعامل على أساسها مع القضايا التي لم يتحدث عنها خلال حملته الانتخابية وبُعيدها، وتلك التي ستستجَد في العام الجاري وما يليه. وهذا أمر طبيعي في رئيسٍ غير نمطي جاء من خارج الساحة السياسية التي يرى أنها تجمدت وباتت في حاجةٍ إلى دماء جديدة وأفكار خارج الصندوق.
لكن من المؤكد أنه رجل عملي، أو براجماتي حسب التعبير الأميركي الشائع، ولديه استعداد لتبني سياسات غير مألوفة، ولكنها تحقق مصالح الولايات المتحدة بالطريقة التي يراها في إطار الشعار الأثير لديه وهو «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى».
ولهذا تتجه الأنظار إلى ما سيفعلُه ترامب عندما يدخل البيت الأبيض، وترقب كيف سيتصرف بشأن قضايا عدة أثارها في حملته، وفي مقدمتها حربا أوكرانيا وغزة، اللتان وعد بالعمل لإنهائهما، وهل سيتعامل مع كل منهما بطريقته الحازمة وميله إلى الحسم. والشاهد أن إنذاره بما سمَّاه «جحيماً» في الشرق الأوسط، إن لم يتم التوصل لاتفاقٍ بشأن الأسرى في غزة قبل دخوله البيت الأبيض، أسهم في إحراز تقدم ملموس باتجاه هذا الاتفاق. لكن هذه الطريقة لا تفيد في قضية أوكرانيا التي يُرجح أن يلجأ في معالجتها إلى سياسة «الجزرة» أكثر من «العصا».
كما تُثار أسئلة عن سياسته تجاه الدول الأوروبية التي لابد أنها قلقة بشأن موقفه تجاه مسألتين عظيمتي الأهمية لها كونهما تتعلقان بالأمن والاقتصاد. فقد كان واضحاً في تأكيده ضرورةَ رفع إنفاقها العسكري لكي تواصل الولايات المتحدة دورها القيادي في حلف «الناتو»، وفي تلويحه برفع الرسوم الجمركية على الواردات منها ما لم تقم بزيادة مشترياتها من الغاز الأميركي.
لكن السؤال الذي يتعين الاهتمام به، في الوقت الذي بات فيه ترامب على أعتاب البيت الأبيض، يتعلق بما قد تحويه حقيبته الرئاسية من مفاجآت بعيداً عما تحدّث عنه أو تناوله خلال حملته. ونذكر هنا أنه فاجأ العالم في ولايته الأولى بمواقف لم يتوقعها أحد في ذلك الوقت. ومنها على سبيل المثال تغيير السياسة الأميركية تجاه كوريا الشمالية والاتجاه إلى التفاوض معها في وقتٍ مبكر من تلك الولاية (يونيو 2018)، وتسريع المفاوضات مع حركة «طالبان» والتوصل إلى اتفاق فبراير 2020 الذي مهّد لانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان.
وليس مستبعداً أن تشهد إدارة ترامب الجديدة مفاجآت قد تكون أكبر أو أكثر تأثيراً من نظائرها في إدارته السابقة، وخاصةً في ضوء التوتر الشديد الذي يسود العالم. ورغم صعوبة توقع هذه المفاجآت، فالأرجح أن تكون في اتجاه تبريد درجة حرارة العلاقات السياسية، على أساس أن ميله إلى عقد صفقات تنطوي بطابعها على تسويات يُعد سمةً أخرى من سماته المميِزة. وأياً يكن الأمر، ستختلف السياسة الخارجية الأميركية كثيراً في الأعوام الأربعة المقبلة عنها في السنوات الأربع السابقة.
*مستشار مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية