يبدو المشهد السياسي الدولي مع بداية العام 2025 معقداً ومتشابكاً ومرشحاً لاستمرار العديد من الأزمات الدولية والإقليمية فيه، مما قد يحمل للعالم الكثير من المفاجآت العاصفة. فالأزمات التي تأجل حلها قد تراكمت، والكوارث أصبح تهديدها أكثر وضوحاً وقرباً في ظل تأجيل مواجهتها أو تجنب محاولة حلها، كما أن الحروب والصراعات التي تعم العالم فاقمت من سوداوية المشهد وغموضه.. وفوق كل هذه المشاهد، يبرز تَصدُّر الدول الكبرى للعالم من خلال المنافسة المستمرة بين الإبقاء على سيطرة القطب الواحد والتطلع إلى تعدد الأقطاب.
وتَبرز التغيرات المتعلقة بالتطورات بين الدول على الساحة العالمية، انطلاقاً من بواعثها السياسية والأمنية، أو الاقتصادية والاجتماعية. وهي التي ترسم اليوم العديد من الملامح والتجليات الرئيسية، سواء على صعيد التعددية القطبية التي بدأت في التحول بمركز الثقل السياسي والاقتصادي من الغرب إلى الشرق مع صعود قوى مثل الصين والهند وروسيا، وتشكيل تحالفات جديدة ترسم مشهداً دولياً جديداً كتحالفات «البريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون، في محاولة لمواجهة القطبية الغربية التي استأثرت بالمشهد لفترة طويلة، ورسمت صورة للاستحواذ والسيطرة العالمية، وهو أمر ينبغي أن نوليه أهمية كبرى، لاسيما مع دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب البيت الأبيض ودخول التحالف الأوروبي الأميركي مرحلة جديدة مختلفة. كما ستشهد الصراعات الجيوسياسية مزيداً من التفاقم مع اشتداد التوتر حول أوكرانيا، إضافة للأزمات المتصاعدة في بحر الصين الجنوبي، والمواجهة المفتوحة التي تخوضها إسرائيل في الشرق الأوسط، مدعومةً من الغرب، ضد ما يعرف بـ «محور الممانعة» الذي بدأت ملاحم انهياره الأكيدة، إضافة إلى الصراعات المنتشرة في القارة الأفريقية، وما يتنازعها من أخطار وتهديدات تعتمد في تمددها على النفوذ الدولي، والصراع على الموارد الطبيعية والحيوية بين بعض القوى الكبرى بغية تعزيز النفوذ والمركز الاقتصادي والثقل الدولي.
وبعيداً عن كل ذلك، فإن المتغيرات الحديثة في معادلات الأمن الإقليمي والدولي أصبحت أكثر تأثيراً، فالتغيرات البيئية والمناخية باتت محوراً رئيسياً في استراتيجية الأمن الإقليمي والدولي، انطلاقاً من تأثير التغير المناخي على الأمن الغذائي والمائي، وقدرة الدول الأكثر تأثراً على تأمين منظوماتها الحيوية. كما شكلت التكنولوجيا الحديثة متمثلة في الذكاء الاصطناعي تحدياً رئيسياً للأمن الدولي، لاسيما مع تصاعد الحروب الهجينة واستخدام وسائل غير تقليدية مثل الحروب السيبرانية، والتلاعب بالمعلومات، واحتدام التنافس العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة بين الدول الكبرى، وهو ما يثير القلق بشان الأمن السيبراني والاحتكار التكنولوجي من قبل قوى معينة، فضلاً عن التركيز على الاهتمام بتسليح الفضاء واستخدامه لأغراض أمنية واستراتيجية.
والخلاصة التي يمكن الخروج ليس فقط بشأن العام الجاري، بل وبشأن ما سيتبعه من أعوام، هي أن المشهد السياسي الدولي اليوم أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً، حيث تتداخل القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية والبيئية والتكنولوجية.. ولذا فهناك حاجة ماسة إلى تعزيز التعاون الدولي والحلول المبتكرة التي تتجاوز المصالح الضيقة للدول وتستهدف تحقيق المصالح الكلية للعالم.
وفي ظل تراجع دور الأمم المتحدة، سواء على صعيد مسؤولياتها في تحقيق الأمن والسلم الدوليين، أم على صعيد تحقيق التنمية المستدامة في العالم، فمن المؤكد أن العالم يدخل عام 2025 باستراتيجية المجهول، فكل شيء ممكن الحدوث، وليس هناك ما هو مؤكد سوى تغليب المصالح الخاصة للدول الكبرى، على حساب مصالح وغايات الدول الأكثر ضعفاً وهشاشة.
*كاتبة إماراتية