إذا كان بين قادة سوريا الجدد مَن يريدون إنقاذ بلدهم، وإخراجه من وضعٍ مأساوي وصل إليه، فعليهم أن ينتهجوا مساراً يعتمد على «خريطة الطريق» التي لم يأخذ بها الرئيس السابق بشار الأسد عندما طرحتْها عليه دول عربية منذ نحو عامين. وليتَهم يتأملون جيداً مغزى حديث معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، عن عدم استغلال الأسد شريان الحياة الذي قدمته له دول عربية عدة.
ومازال في إمكان مَن يريد إعادة بناء سوريا كدولة وطنية على أسس صحيحة أن يعود إلى هذا الشريان المتمثل في صيغة تقوم على فكرة خطوة بخطوة، أي خطوة دعم عربية، بالتزامن مع قطع شوط في اتجاه تحقيق مصالحة سياسية مع كل الاتجاهات والفصائل التي تؤمن بالحفاظ على الدولة الوطنية السورية وتماسكها وسيادتها، ثم خطوة مساندة ثانية في الوقت الذي يُقطع فيه شوط آخر في الاتجاه نفسه، وهكذا.
وكانت دولة الإمارات، ومعها كل من المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، قد وضعت الأساس لـ«خريطة الطريق» هذه، وأيدتها دول عربية أخرى. وأخذت دولة الإمارات المبادرة في هذا الاتجاه عندما دعت الأسد لحضور دورة مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية المناخ «كوب 28» التي عُقدت في دبي في نوفمبر 2022. وكانت هذه الدعوة هي بداية السعي إلى استعادة سوريا للحضن العربي، ومساعدتها في العمل لإنهاء الأزمة التي ترتبت على أحداث ما أُطلق عليه «ربيع عربي»، وآثارها الوخيمة التي تراكمت على مدى أكثر من عشر سنوات.
وبعدها بشهور دُعي الأسد لحضور القمة العربية الثانية والثلاثين التي استضافتها الرياض في مايو 2023. وكانت هذه المرة الأولى التي حضر فيها قمةً عربية منذ أن شارك في القمة الثانية والعشرين التي استضافتها ليبيا في مدينة سرت في مارس 2010. والمهم أنه سبق تلك القمة اجتماع عربي مُصغر عُقد في العاصمة الأردنية عمّان، وشهد تدشين الاتفاق على ضرورة إنهاء الأزمة السورية عن طريق حل سياسي يحفظ وحدة البلاد وتماسكها وسيادتها، وينسجم مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 في ديسمبر 2015، مع معالجة جميع تبعات الأزمة على المستويات الإنسانية والسياسية والأمنية. والملاحظ، في هذه الصيغة (الخريطة) الحديث عن حلٍ ينسجم مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وليس حلاً يلتزم به حرفياً، لتشجيع الأسد وأركان نظامه للمضي قدماً على أساس أن هناك مساحة لمواءمات تراعي حساسيات معينة وتوازنات كان من الضروري أخذها في الاعتبار، دون أن تؤدي إلى تعطيل المسار الذي كان مأمولاً نحو هذا الحل. وأعقب ذلك اتخاذ دول عربية عدة خطوات للانفتاح على سوريا، الأمر الذي أعطى مصداقية للتحرك العربي الذي سماه معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، شريان حياة كان ممدوداً لسوريا.
ورغم عدم استفادة الأسد من ذلك الشريان، فلن يجد قادة سوريا الجدد أفضلَ منه لإنقاذ بلد عزيز لدى كل عربي، ولتحقيق آمال شعبه، وتجنب الانزلاق في اتجاهاتٍ محفوفة بالأخطار، وما أكثرها الآن!.
*مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية