بين كل الأزمات التي أفرزتها القرارات والإجراءات الأخيرة للرئيس، دونالد ترامب، تبدو أزمة العلاقات الأميركية الأوروبية من أهمها، إن لم تكن الأهم، ذلك أن كثيراً من هذه الأزمات بدا افتراضياً، بمعنى أنه لن يُفضي إلى خطوات على أرض الواقع، كما في مطالبة ترامب بأن تكون كندا الولاية الأميركية الـ51. أما أزمة العلاقات الأميركية الأوروبية المرتبطة بموقف ترامب من الحرب في أوكرانيا، فقد تُفضي إلى تداعيات خطيرة، ليس على صعيد هذه العلاقات فحسب، وإنما على النظام الدولي برمته، فالعلاقات الأميركية الأوروبية تمثل جوهر التحالف الغربي، الذي صارع المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي قرابةَ نصف قرن، وانتصر عليه في الأخير. والآن فإن هذا التحالف مهدَّد بالتصدع على نحو جدّي، إذ لا يخفى أن الأزمة التي تعرض لها خلال ولاية ترامب الأولى، كانت أزمة توزيع الأعباء المالية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ كان ترامب ولا يزال يعتقد بأن الولايات المتحدة تتحمّل منها أكثر مما يجب.

أما الأزمة الراهنة فتمسّ جوهرَ التحالف، كونها ترتبط بتباين رؤية ترامب مع الرؤية الأوروبية لمصادر تهديد أمن التحالف الغربي. وبينما كان ثمة اتفاق بين إدارة بايدن والاتحاد الأوروبي بصفة عامة، على أن السياسة الروسية تجاه أوكرانيا، تمثل تهديداً مباشراً لذلك الأمن، يدفع ترامب الآن بقوة في اتجاه تسويةٍ للحرب تميل بوضوح لصالح روسيا، على الأقل لأن التسوية سوف تتضمن اعترافاً بالتغييرات الإقليمية، التي نفّذتها روسيا منذ عام 2014، وتقر بأن انضمام أوكرانيا للناتو غير عملي، ناهيك برغبته في الاستحواذ على المعادن النادرة في أوكرانيا، كتعويض عن المساعدات الأميركية لها في ظل إدارة بايدن.

واللافت في تطور العلاقات الأميركية الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، أن الأزمة الكبرى التي تعرضت لها في السابق كانت بفعل أوروبي وليس أميركياً، وأُشير هنا تحديداً إلى تجربة الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول، الذي عاد لسدة الحكم في عام 1959، وكانت له نزعته الاستقلالية القوية عن الولايات المتحدة، لدرجة أنه اعترض على انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي في عام 1963، ثم في عام 1967، على أساس أنها تمثل «حصان طروادة» للنفوذ الأميركي داخل أوروبا، والأهم انسحابه من المشاركة في القيادة العسكرية للناتو في عام 1966.

وقد ظلَّ هذا الوضع قائماً حتى عام 2009، عندما أعاد الرئيس ساركوزي الوضع إلى ما كان عليه قبل قرار الانسحاب. ويلاحظ أن الخلاف حينئذٍ كان حول استراتيجيات الدفاع عن التحالف الغربي، وليس كما هو الحال الآن حول مصادر التهديد، وهي قضية أخطر بكثير، لأن من شأن استمرارها تفكيك التحالف أصلاً. ويثير هذا الوضع غير المسبوق أسئلة عديدةً منها مثلاً: هل يمكن النجاح في رأب هذا الصدع بوساطة دولة ذات علاقات إيجابية بكلٍ من الولايات المتحدة وأوروبا مثل بريطانيا؟

وما التوجهات المستقبلية لأوروبا إذا تفاقم الخلاف؟ وهل سيسارع الأوروبيون باتجاه البديل الدفاعي المستقل؟ وهل يكون الأمر سهلاً بالنظر لتوجهات اليمين الأوروبي المتطرف، الذي يتصاعد نفوذه؟، أم تفكر أوروبا في تحولات حقيقية في أنماط تحالفاتها الدولية بتعزيز العلاقات مع الصين مثلاً؟ ومع محاذير الخيار الأخير، هل ستكون التوجهات الأميركية الحالية مستدامة أم ستنتهي بولاية ترامب؟ الباب مفتوح للاجتهاد في هذه التساؤلات المرتبطة بصميم بنية النظام الدولي.

*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة