يعبّر مفهوم الدولة عن تعاقدية عالية أساسها القانون والضبط المجتمعي، وهذا التأسيس نشأ بعد الحروب الأهلية الأوروبية منذ القرن السابع عشر، حين كتب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز نظريته في العقد الاجتماعي بكتابه الأساسي «اللفياثان».

وفي الإقليم منذ عشرين عاماً نمرّ بتحدياتٍ كبرى وتشويش على مفهوم الدولة، وعلى مستوى التعاقد الاجتماعي وهذا مستمر حتى اليوم. والحالة التعاقدية علاوة على تغييبها في الوعي المجتمعي فإنها مستعصية، ذلك أنها لا تتأسس إلا ضمن التضابط في المجال العام بمفهومه العميق كما يورد جاك دريدا في كتابه «الدين في عالمنا» بشرحٍ مطول. إن الإجراء التعاقدي الذي يتمتّع به الفرد بالمجتمعات الحديثة له بعده القانوني، إذ يرتبط بتحقيق مستويات العدالة، والليبرالية كلها بمفهومها النهائي هي إجراء لتحديد وضبط مستويات التحرك ضمن شبكة علاقات الفرد ومساحات التحرّك أو التفاوض أو النقاش.

إن المناخ الحرّ ضمن القانون يدرّب على المسؤولية، والمناخ المنفلت يدرّب على الاستهتار بالحريّة وبالمسؤولية معاً، ويسبب القهر الاجتماعي حالة من الانفلات الشخصي والعدوان على القانون والاضطراب تجاه مفهوم الدولة والرعب من الوعي الذاتي بشبكة العلاقات المحيطة على مستوى المدنيّة والآخر والقانون والدولة.

الخلاصة، أن مفهوم الدولة هو الأساس الذي يجب أن ننطلق منه اجتماعياً في وجه عاتيات الرياح المحيطة في الإقليم. وباستعادة المؤسس الرئيسي لهذا الفتح الإنساني المبين جان جاك روسو في «العقد الاجتماعي» نعثر على شرحٍ لا بد من فهمه وتمثّله حين يكتب: «الميثاق الاجتماعي، ينطلق من مجرد افتراض، لا من مرحلة تاريخية معينة، وهو أن البشر في وقتٍ ما أصبحوا غير قادرين على متابعة حياتهم في الحالة الطبيعية... إن كل من رفض طاعة الإرادة العامة يرغَم عليها من طرف الجسم بأكمله، وذلك لا يعني سوى أنه يجبَر على أن يكون حراً، لأن ذلك هو الشرط الذي يهبه كل مواطنٍ لنفسه لوطنٍ يضمن له أن يتخلّص من كل نوعٍ من التبعية الشخصية... إن الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية يُحدث في الإنسان تغيّراً بارزاً جداً يجعل العدالة تحلّ في تصرفه محلّ الغريزة، ويضفي عليه الطابع الأخلاقي الذي كان ينقصه سابقاً.

وعلى الرغم من أنه بهذه الحالة يحرم نفسه من عددٍ من الفوائد التي يستمدها من الطبيعة فإنه يربح مقابلها فوائد أخرى أكبر، إذ تتمترس قواه، وتنمو وتتسع أفكاره، وتزداد عواطفه نبلاً، وترتفع روحه كلها إلى درجة من السمو. ولذلك أسس الفيلسوف ماكس فيبر لنظريته الرئيسية أن العنف محتكر للدولة، بمعنىً آخر أن الإنسان يجب أن يبقى ضمن مدنيته خاضعاً لقانون دولته، فالسلاح الذي يحمله رجل الأمن هو من يدافع عنك وليس سلاحك.  الحيوية المدنية تعني تفويض الدولة والالتزام بميثاقها، واحترام أعرافها. فالدول التي امتلك فيها كل إنسانٍ سلاحاً في بيته ذهبت أدراج الرياح، فلا بد من الاعتبار.

*كاتب سعودي