ما زالت الجمهورية اللبنانية تحاول تشكيل حكومة وطنية متكاملة، بعد انتخاب رئيس لها، ووقع الاختيار على نواف سلام، وهو شخصية لبنانية وطنية مشهود لها بالنزاهة. وهو قاضٍ معروف ومشهود له بالوطنية والاعتدال، حيث أجمع اللبنانيون على اختياره، ولكنه يواجه تحديات كثيرة، تتمثل في احتقان سياسي وتوتر يعوق تشكيل الحكومة اللبنانية.

وبعد أن تخلص لبنان من سطوة واختطاف السلطة من قبل ميليشيات «حزب الله»، وبعدما تمت تصفية قيادات كبرى في الحزب جراء الحرب مع إسرائيل، وبعدما فقد الحزب سيطرته على لبنان وضواحيها، ثمة مخاوف من شبح الطائفية، خاصة وأنها ما زالت تعشعش بعقول بعض اللبنانيين ممن يستغلون توافقات هشة في البلاد ترتكز على المحاصصة الطائفية، وهذا ما يجد البعض فيه مآربه، وثغرة من خلالها يضع العصا بالعجلة ليعطل الحكومة، متحججاً بأن الدستور والديمقراطية يسمحان له أن يفرض صوته وطائفيته على حكومة سلام، ويتحكم في خيارات تشكيلها. ولذلك تعثر تشكيل الحكومة اللبنانية التي يحتاجها اللبنانيون أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً بعد المواجهات العسكرية في جنوب لبنان، وما نجم عنها من دمار وخراب، بالإضافة إلى تغيير النظام في سوريا المجاورة، التي يتأثر بها لبنان ضمن جغرافيا واحدة، وما يحدث فيها ينعكس على لبنان سلباً وإيجاباً. إلا أن لبنان للأسف ما زال يعاني تداعيات المحاصصة ونفوذ الطائفية التي أنهكت لبنان ودمرت اقتصاده وشلت حركته.

وحين انتخب الرئيس اللبناني جوزيف عون بتاريخ 9 يناير 2025، وهو قائد عسكري معروف، استبشر اللبنانيون والعرب خيراً بتنصيب الرئيس اللبناني بعد فراغ دستوري استمر سنوات، بسبب فشل البرلمان اللبناني في انتخاب رئيس، وهي المشكلة نفسها التي يعانيها لبنان الآن في مسألة تشكيل الحكومة الجديدة.

ولماذا هذا التماهي والتراخي مع فئة بعينها تريد تعطيل تشكيل الحكومة، من أجل (غاية في نفس يعقوب)! أليس المصلحة الوطنية اللبنانية فوق كل اعتبار وفوق كل فئة وطائفة لكي يتعافى البلد من الميليشيات والطوائف والمذهبية، ويطوي صفحة التدخلات الإقليمية؟ ولماذا لا يستوعب اللبنانيون الدروس من كل الأحداث المأساوية والكوارث التي مر بها هذا البلد العربي الجريح، الذي كلما نهض من كبوة، واجه أخرى، لكنه ما زال يلعق جراحه من الطعنات بسبب التفرقة الطائفية التي ابتلي بها هذا البلد الجميل.

لبنان الذي كان يُطلق عليه (رئة) المنطقة العربية، يتطلع إلى العودة إلى ماضيه المزدهر، حيث يستطيع سابقاً الزائر والسائح والمقيم أن يستنشق الهواء النقي والطبيعة الخلابة، قبل أن تلوثها أجواء التناحر السياسي والاستقطابات التي تريد لهذا البلد أن يبقى ضعيفاً تابعاً لأجندات خارجية، خدمةً لمصالح قوى معينة. ولا تزال هناك قوى تريد أن تطغى أصواتها النشاز على صوت فيروز، وهي تصدح (بحبك يالبنان..يا وطني بحبك).

لعل الرئيس اللبناني المنتخب، وهو الضابط الكبير المتمرس، يحسم الأمر بطريقة ينتصر بها للبنان، من خلال مبدأ (لا صوت يعلو على صوت الوطن)، وينجح في استكمال تشكيل الحكومة مع رئيس الوزراء المعين نواف سلام، لتكتمل مسيرة لبنان، ويقف على أقدامه مرة أخرى، وتهمش وتحجم كل الطوائف وتذوب أو تذوب في بوتقة الوطن، وتلتف تحت راية العلم اللبناني الواحد، ليكون لهذا البلد هوية وطنية واحدة، ويستعيد عافيته وهيبته وحضوره، تحت راية موحدة وحكومة وطنية قوية، تضع سيادة لبنان وصون حريته وكرامته نصب عينها، ولا تلتفت للوراء.

* كاتب سعودي