يُعد مبدآ التعقيد وعدم الاستقرار السمتين الغالبتين على المشهد السياسي في إسرائيل. ويقول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، ديفيد بن غوريون، «لتكون واقعياً في إسرائيل، لابد أن تتقبل فكرة المفاجأة والأعاجيب».

هذا الأمر هو المفتاح الأساسي لفهم الداخل الإسرائيلي، وهو ما سنراه في انتخابات السلطات المحلية القادمة المزمع عقدها في شهر أكتوبر المقبل. ولكي نسلط الضوء على ماهية هذه الانتخابات، وأهميتها من عدمها، ثمة ركائز لابد من فهمها لاستشراف ما ستشهده الساحة الإسرائيلية في الشهور المقبلة.

سُتعقد هذه الانتخابات في 253 سلطة محلية تتضمّن 77 بلدية، و123 مجلساً محلياً، و53 مجلساً إقليمياً تتوزع في جميع أنحاء إسرائيل. وتأتي في ظل استقطاب مثير وخطير لم يشهده التاريخ الإسرائيلي منذ عام 1948، فحالة الانقسام الحاصلة جراء خطة الإصلاح القضائية تُعد مؤشراً خطيراً لما سيُترجم في نتائج هذه الانتخابات.

أضف إلى ذلك أن الكنيست سيبدأ دورته الشتوية مع انقضاء إجازته الحالية في مُنتصف أكتوبر، وهو ما يعني أن الصدام السياسي الذي سيحصل حينها، سواء فيما يتعلق بقانون تجنيد الحريديم، أو طرح قانون التغلب من عدمه، ستكون له تداعيات حتمية على قرار الناخب الإسرائيلي في الانتخابات. ما يُميز النظام الانتخابي لهذه السلطات هو أنه مبني على مبدأ الانتخاب ببطاقتين في مناطق البلديات والمجالس المحلية، الأولى مخصصة للرئيس، والثانية للأعضاء.

وفي بعض الأحيان تكون هناك ثلاث بطاقات، وخاصةً في المجالس الإقليمية، بحيث تكون الثالثة مُخصصة للجنة المحلية (لكل بلدة). وبالعودة قليلاً للوراء، فإن هذا النظام كان مبنيّاً في السابق على البطاقة الواحدة، أي أنه كان شبيهاً بالانتخابات «القُطرية» الخاصة بالكنيست، ليكون بعد ذلك اختيار الرئيس من القائمة الأكثر حظاً في تشكيل ائتلاف من القوائم الفائزة، نظراً لعدم فوز أي قائمة بالأغلبية. هذا التغيير دلّل على عدم قناعة الشارع بفاعلية الانتخابات القُطرية، بالنظر إلى ما يُسببه من عدم استقرار سياسي يؤثر في المحصلة على عمل المؤسسات الحكومية.

وتاريخياً كانت نسبة مشاركة العرب أكثر من اليهود في هذه الانتخابات، ونسبة مشاركة اليهود المُتدينين أكثر من غيرهم، نظراً لارتباط هذه السلطات بالأمور الإجرائية التي تمس حياة المواطن بشكل يومي. ولعل ما سيُسطر على المشهد الانتخابي للسلطات المحلية في الفترة القادمة هو زيادة نشاط التيارات اليسارية، بالإضافة إلى اليمينية غير المنضوية تحت معسكر الائتلاف الحاكم، وذلك للظفر بوجودٍ أقوى وفاعل في هذه السلطات، بما يُمكِّنهم من الضغط على الحكومة بشكل أكبر.

وعرب إسرائيل لن يكونوا بعيدين عن حالة الاستقطاب هذه، وذلك بالنظر للصعوبات الاقتصادية المستمرة التي يواجهونها بسبب وزير المالية بتسلئيل سموترتش، وخصوصاً مع تشدده ضدهم عبر تجميد 25% من الميزانيات المخصصة للمناطق العربية، ومن ثم الإفراج عنها ضمن منظومة مراقبة محددة.

وبالمجمل فإن ثمة امتعاضاً متجذراً لدى الشارع العربي الإسرائيلي من سموترتش، الذي تمثّلت شواهده (قبل قرار الإفراج عن الميزانية) باحتجاجات اللجنة القُطرية لرؤساء السلطات المحلية ضده. هذه الانتخابات ستوضح بشكل صريح وغير قابل للشك إلى أين وصلت حالة الانقسام في المشهد السياسي الداخلي لإسرائيل، وهو ما سيكون بمثابة مؤشر على السلوك المستقبلي المتوقع للأطياف السياسية تجاه حكومة نتنياهو المثيرة للجدل.

*رئيس قسم الدراسات الاستراتيجية - مركز تريندز للبحوث والاستشارات