الغارة الغامضة: إسرائيل وإيران في السودان
لم تكن التفاعلات بين الدول والحركات السياسية والدينية في منطقة الشرق الأوسط واضحة أو شفافة في أي وقت. فقد أحيط الكثير من هذه التفاعلات، سواء الصراعية أو التعاونية، بسرية وكتمان. لذلك ظل معظمها يتسم بغموض يجعل إخضاعها للدراسة والبحث أمراً صعباً. ومازال هذا الغموض مخيماً على كثير من أوجه الصراع والتعاون في هذه المنطقة التي تشهد الآن إحدى أكثر المراحل اضطراباً في تاريخها الحديث.
والسودان هو أحد هذه البلاد التي تتداخل صراعات عميقة في داخله مع نزاعات إقليمية لبعضها أبعاد دولية متفاوتة الأهمية.
وفي الوقت الذي مازال الغموض مخيماً على بعض جوانب أزمة جنوب السودان التي أمكن إيجاد حل مؤقت لها بانتظار استفتاء لتقرير المصير عام 2011، لم يكن هناك سوى قليل من الشفافية في إدارة أزمة دارفور منذ نشوبها عام 2003. وظل من الصعب تدقيق بعض المعلومات المتعلقة بها، رغم أنها اندلعت في أوج ازدهار ثورة الاتصالات. أما المشكلة الكامنة في شرق السودان، فما أندر المعلومات المتوفرة عنها.
ويمتد الغموض إلى أدوار الدول المجاورة والقوى الإقليمية والدولية في أزمات السودان الداخلية، وإلى علاقة نظام الحكم في الخرطوم مع بعضها. وقل مثل ذلك عن الأهداف الحقيقية لهذا النظام بخلاف ما يجمعه وكثير من نظم الحكم العربية والأفريقية، وهو هدف البقاء في السلطة بأي ثمن.
ولذلك فليس جديداً الغموض المخيم على الغارة الجوية التي وقعت نهاية يناير أو أوائل فبراير الماضي ضد قافلة في شرق السودان يقال إنها كانت تحمل أسلحة وتتجه لعبور الحدود المصرية. وورد في بعض الروايات أنها لم تكن غارة واحدة وإنما غارتان فصلت بينهما فترة قصيرة غير محددة، تُعد بالأيام وليس بالأسابيع. وقد حدث ذلك، إذن، قبل أسابيع قليلة على قرار المحكمة الجنائية الدولية بقبول مذكرة المدعي العام الذي طلب توقيف الرئيس البشير بدعوى اتهامه في أحداث دارفور. لكن لم يُكشف النقاب عنها إلا بعد أسابيع قليلة أخرى على إصدار ذلك القرار في 4 مارس الماضي.
ويثير ذلك أسئلة كبرى تتجاوز السودان وأزماته إلى منطقة الشرق الأوسط ومستقبلها، لأن الرواية الشائعة تقول إن الطائرات التي أغارت إسرائيلية، وأن القافلة كانت تحمل أسلحة إيرانية إلى حركة "حماس" في قطاع غزة.
ولأننا إزاء رواية مرسلة تفتقد عناصر اليقين، وتبدو أقرب إلى تخمين يقترن بشيء من التحليل، تصبح الخطوة الأولى لفهم ما حدث ودلالاته هي تأمل هذه الرواية نفسها واختبار مدى واقعيتها. وثمة سؤالان رئيسيان؛ أولهما هو: لماذا يلجأ ناقلو سلاح من إيران إلى قطاع غزة إلى طريق طويل وعر تسهل ملاحقتهم خلاله؟ بصيغة أخرى: هل هذا الطريق هو الأفضل لعملية شديدة السرية والحساسية من هذا النوع؟ أما السؤال الثاني فهو: لماذا فضلت إسرائيل الإغارة على القافلة والقضاء عليها قضاء مبرماً، في الوقت الذي كان بإمكانها التصرف بطريقة أجدى لها من ذلك؟ أو بصيغة أخرى:
ألم يكن بإمكان إسرائيل، وقد رصدت القافلة، أن تتابعها لمعرفة الدروب التي يسلكها المهربون في هذه المنطقة والأساليب التي يتبعونها، ثم تطلب من مصر عند نقطة معينة التعاون في التصدي لهذه القافلة واعتقال القائمين عليها بما يتيح استجوابهم والحصول منهم على معلومات مهمة؟
لقد كان لدى إسرائيل وقت كاف لذلك، لأن الموقع الذي قصفت فيه القافلة يبعد نحو 1400 كم عن حدود قطاع غزة مع مصر. وهذه مسافة طويلة، لكنها تطول أكثر في حالة قافلة مضطرة لأن تسلك طرقاً خلفية في الصحراء بعيداً عن الأنظار.
ويبدو السؤال الثاني بصفة خاصة باعثاً على الشك في سلامة الرواية، إلا إذا سلمنا بأن صانع القرار الإسرائيلي أصبح شديد التوتر والعصبية إلى المدى الذي يضعف قدرته على اختيار الوسائل الأكثر ملاءمة لتحقيق الأهداف. فلو أن القافلة كانت تحمل سلاحاً إيرانياً إلى "حماس" فعلا، وكان صانع القرار الإسرائيلي في حالة طبيعية، لاختار الأسلوب الذي يمنع وصول السلاح إلى غايته ويتيح له الحصول على معلومات ثمينة ويمكنَّه من تفعيل مذكرة التفاهم الأمني الموقعة مع واشنطن.
كما أن هذا الأسلوب كان ممكناً أن يتيح لإسرائيل ذريعة أخرى لتبرير حربها الوحشية على قطاع غزة والحد من الانتقادات غير المسبوقة التي تتعرض لها في بعض الأوساط الدولية بسبب الجرائم التي ارتكبتها خلال الحرب. فعندما تنقل الكاميرات صور الأسلحة المهَّربة وتبث وسائل الإعلام اعترافات المهربين والمعلومات التي كان يمكن أن يدلوا بها، فربما يؤدي ذلك إلى تحسين صورة إسرائيل التي لم تكن في مثل هذا القبح في أي وقت مضى.
وهكذا يبدو أن نقطة الضعف الرئيسة في الرواية الشائعة عن الغارة تكمن في الأسلوب الذي اتبعته إسرائيل وفقاً لهذه الرواية، وليس في نوع الطريق الذي لجأ إليه المهربون. فربما كانوا مضطرين لذلك، إما لأن الإجراءات التي بُدئ في اتخاذها عندئذ لوقف تهريب السلاح إلى غزة حققت نتائج سريعة، أو لرغبتهم في إيجاد طرق بديلة تحسباً لما ستؤدي إليه هذه الإجراءات من تشديد الحصار على عمليات التهريب. فقد أُحكم الحصار فعلا على ساحل قطاع غزة منذ بدء العدوان عليه، الأمر الذي جعل تهريب السلاح أكثر صعوبة عبر البحر.
لكن إذا لم تكن فرضية توتر صانع القرار الإسرائيلي كافية لترجيح هذه الرواية، رغم وجود دلائل على مثل هذا التوتر في مواقف عدة، يمكن التفكير في احتمال آخر دون مغادرة السياق العام للرواية الشائعة. وهذا الاحتمال هو أن تكون إسرائيل قد رصدت القافلة، لكنها لم تتأكد من حمولتها بشكل يقيني، خصوصاً في ظل وجود معلومات عن تهريب بشر من بعض البلاد الأفريقية للاتجار بهم عبر الطريق نفسه. وفي هذه الحالة ينطوي اللجوء إلى إيقافها واعتقال المهربين على مخاطرة كبرى. فإذا تبين أن القافلة لا تحمل سلاحاً متجهاً إلى قطاع غزة، وأن الأسلحة التي رُصدت فيها هي لحمايتها خلال طريق لا يخلو من أخطار، لباتت إسرائيل في موقف بالغ الحرج أمام الرأي العام العالمي في لحظة لا تتحمل فيها مزيداً من الهجوم والانتقاد. لذلك رأى صانع القرار الإسرائيلي أن الخيار الأسلم هو تدمير القافلة، وقرر الإسراع بذلك لتحقيق هدفين: أولهما تجريب قدرة سلاح الجو على ضرب "أهداف معادية" في هذه المنطقة، وثانيهما توجيه رسالة قوية إلى طهران وحلفائها عموماً، وليس فقط في قطاع غزة، مفادها أن ذراع إسرائيل تطول. ولم تكن تل أبيب في حاجة إلى إعلان هذه الرسالة الموجهة إليهم لأنها ستصلهم لا محالة ما دامت القافلة لم تبلغ غايتها.
ومع ذلك فليس مستبعداً أن تكون هي التي وقفت وراء تسريب معلومات عن هذه العملية، لكن بمقدار معين بحيث تحافظ على شيء من الغموض مع إعطاء انطباع كاف في الوقت نفسه بأن قدراتها العسكرية أقوى مما يمكن استخلاصه من نتائج حرب غير متماثلة مع قوات غير نظامية، في لبنان أو غزة.
وأخيراً، يبدو هذان الاحتمالان، وخصوصاً الثاني منهما، أقوى من احتمال بعيد عنها وينبع من التفكير في اتجاه آخر تماماً يرتبط بالصراعات الداخلية في السودان. وهذا الاحتمال هو أن تكون طائرات سودانية هي التي قصفت قافلة محملة بأسلحة لحساب إحدى حركات التمرد التي تتوفر دلائل على أنها كامنة تحت السطح في شرق السودان وتتلقى دعما سرياً من أريتريا. وإذا كان هذا الاحتمال قد يجد سنداً من بعيد في رفض إسرائيل تأكيد مسؤوليتها عن قصف القافلة، فلا سند آخر له. ولا يكفي صمت الحكومة السودانية طول هذه الفترة لدعمه. فلم تكن لها مصلحة في الإعلان لأنه يُظهر ليس فقط ضعف سيطرتها على أرضها، لكن أيضا عجزها عن رصد ما حدث في سمائها وبالتالي عدم معرفتها بهوية الطائرات التي قصفت القافلة.
لذلك يظل قيام إسرائيل بقصف القافلة هو الاحتمال الأقوى حتى الآن، رغم بعض نقاط الضعف فيه والغموض الذي ما زال يحيط العملية.