إدانة الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية ليست مجاملة سياسية، ولا بيان علاقات عامة. إنها واجب أخلاقي ووطني. وهي واجب مضاعف على بعض المؤسسات الدينية التي اعتادت المراوغة في إدانة جرائم التطرف، أو إرفاق إدانتها بـ«لكنّ» تُفرغها من معناها.

مسلحون اقتحموا دار عبادة، وأطلقوا النار على مشيّعين جاءوا يودّعون ميتاً. اختار القتلة لحظة الحزن ليضاعفوها، فحوّلوا الجنازة الواحدة إلى جنازات. تسعة قتلى وعشرات الجرحى. هذا ليس حادثاً أمنياً عابراً. هذا اعتداء على فكرة الأردن نفسها.

والكرك ليست مكاناً عادياً. هي المدينة الأردنية التي ودّعت ابنها الطيار معاذ الكساسبة بعد أن أحرقه تنظيم داعش، وهي التي واجهت هجوم القلعة عام 2016. وهي قبل ذلك وبعده مدينة عاش فيها المسلم والمسيحي قروناً جنباً إلى جنب، يتقاسمان الأرض والعشيرة والمصير. من يُطلق الرصاص على كنيسة في الكرك، يطلقه على هذا التاريخ كله. لا قضية عادلة تبرّر قتل الأبرياء.

ولا يجوز تحويل القضية الفلسطينية إلى شماعة تُعلَّق عليها الأحقاد، وتُبرَّر بها الاعتداءات على الأوطان ومواطنيها. فلسطين لا تُنصر باستباحة الدماء، ولا بانتهاك حرمة دور العبادة، ولا بتمزيق المجتمعات من الداخل. ومن يفعل ذلك باسمها يخونها مرتين: مرة حين يقتل، ومرة حين يقدّم لخصومها أثمن هدية، وهي صورة العربي الذي لا يحتمل جاره. لقد جرّبنا هذا الطريق من قبل. جرّبناه في العراق وسوريا ومصر. كنائس تُفجَّر، وأقليات تُهجَّر، ومدن تفقد ألوانها واحداً بعد الآخر. وفي كل مرة كان المتطرف يربح، لأن المجتمع خسر بعض أبنائه وجزءاً من روحه.

هذه الجرائم تستهدف استقرار الأوطان وسلْمها الأهلي. تضرب مفهوم المواطنة في جوهره، وتقول للمسيحي العربي: أنت ضيف لا شريك. وهذه كذبة يجب أن نردّها بالفعل، لا بالشعارات. فالمسيحيون في هذه الأرض ليسوا جالية ولا أقلية طارئة. هم من أهلها الأوائل، وبناة كثير من نهضتها، وأصحاب حق فيها لا يقل عن حق أحد. لذلك نعود ونكرر، ولن نملّ التكرار: نحن بحاجة إلى مراجعة جادة لخطاباتنا الوعظية ومناهجنا الدينية، ومساءلة المنابر التي تحرّض على المختلف، وتزرع الكراهية في عقول الصغار، وتمنح الإقصاء غطاءً دينياً. ولا يكفي أن نضيف درساً عن التسامح إلى كتاب مدرسي. المطلوب تغيير الذهنية التي ترى في المختلف خطراً، لا جاراً.

الرصاصة التي انطلقت في حمود لم تُولَد في الكرك. لكن قد تكون وُلدت قبل ذلك بسنوات، في درس متشدد، وفتوى ملتبسة، وصمت من كان يجب أن يتكلم. مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالبندقية وحدها. الأجهزة الأمنية الأردنية تقوم بواجبها، وقد أثبتت كفاءتها مراراً. لكن المعركة الحقيقية تبدأ بمواجهة الأفكار التي تُهيئ للإرهاب، والتبريرات التي تُخفف من بشاعة جرائمه، وتلك المنطقة الرمادية التي يقف فيها البعض، فلا يدين ولا يؤيد، بل يكتفي بـ«ولكن». الأردن سيتجاوز هذه المحنة. فهو بلد اعتاد أن يحمل جراحه بصبر، وأن يخرج منها أكثر تماسكاً. وقد قال الأردنيون كلمتهم منذ الساعات الأولى: الكنائس بيوتنا. رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، وحفظ الأردن وأهله.

*كاتب وإعلامي إماراتي