تمثِّل توجهات دولة الإمارات العربية المتحدة في تكنولوجيات الكمِّ نموذجاً متميزّاً، أدرك مبكراً أهمية الاستثمار في هذه التقنيات المتقدمة والمنطوية على إمكانات هائلة وتأثيرات إيجابية واسعة على العالم، إذ يمكن معها تعزيز جهود الحكومات في مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية والمجتمعية، وفي القضايا المرتبطة بالمصلحة العامة مثل المناخ والطاقة والإنتاج الغذائي والمياه النظيفة والرعاية الصحية.
وتقدِّم دولة الإمارات من خلال حلولها الوطنية في الكمِّ تأكيداً عمليّاً على الإلمام التام بأبعاد القيمة العالية لهذه التكنولوجيات وقدرتها على تشكيل ملامح المستقبل وقطاعاته. وليس أدلَّ على أهمية هذه التكنولوجيا من إقرار الأمم المتحدة عام 2025 عاماً دوليّاً لعلوم وتكنولوجيا الكم؛ اعترافاً منها بالدور الذي سوف يلعبه الكمُّ في الأعوام القليلة المقبلة في معالجة بعض أكثر التحديات العالمية إلحاحاً.
ويبرز من بين أهم المرافق الوطنية في مجالات الكم معهد الابتكار التكنولوجي، ذراع الأبحاث التطبيقية لدى مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في إمارة أبوظبي؛ حيث يعدُّ هذا المعهد مؤسسةً بحثية رائدة، سعت منذ تأسيسها عام 2020 إلى تطوير تكنولوجيات الكمِّ وتطبيقاتها للإسهام في حل القضايا ذات الأبعاد العالمية، هذا إلى جانب عمل المعهد ضمن اهتمامات بحثية أخرى متقدمة، تشمل العلوم الرقمية والذكاء الاصطناعي، والمواد المتقدمة، والروبوتات المستقلة، والتكنولوجيا الحيوية، وبحوث التشفير، والطاقة الموجَّهة، وغيرها.
ورغم التاريخ القصير لمعهد الابتكار التكنولوجي، فقد تمكَّن من تسجيل إنجازاتٍ عالمية في مجالات الكمِّ الرئيسة، والتي تتضمن الخوارزميات والحوسبة والاتصالات والاستشعار، ومن أهمها نجاح المعهد عام 2023 في تصنيع أول «كيوبت» فائق التوصيل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ كإنجازٍ يمهِّد الطريق نحو أجهزة حاسوب كمية أكثر قوةً وتعقيداً. وأطلق المعهد كذلك في عام 2024 محطة أبوظبي الأرضية للبصريات الكمية؛ كأول منشأة من نوعها في العالم العربي متخصّصة في توفير الاتصالات البصرية الآمنة تماماً، لتتحوَّل في الأعوام القليلة المقبلة إلى حجر زاوية ضمن شبكة كمية عالمية تتسابق الدول المتقدمة اليوم في التجهيز لها باعتبارها واحدة من أكثر شبكات الاتصالات تحصيناً ضد عمليات الاختراق أو التنصت. وقدَّم المعهد في العام نفسه منصة «كيبو»؛ كبيئة مفتوحة المصدر تهدف إلى تعميم تطبيقات الحوسبة الكمية على مستوى العالم، وتسهيل وصول الباحثين والمطوِّرين إلى الأدوات المتقدمة في البرمجة الكمية.
بالإضافة إلى ذلك، أعلن المعهد أخيراً عن تقدُّمٍ كبير في مجال المحاكاة الكمية التناظرية، حيث عرض خلال هذا العام ولأول مرَّة على الإطلاق محاكاةً ناجحة لسلوك الأنظمة الكمية المعقدة، والتي يستحيل مراقبتها أو حسابها باستخدام الحوسبة التقليدية؛ وهو ما يعدُّ إنجازاً بجميع المقاييس يبشِّر بإطلاق العنان للابتكارات المتقدمة في علوم المواد والكيمياء العضوية وعلوم البصريات والطب التشخيصي وغيرها، مع إحداث ثورةٍ ضمن صناعات العالم لتتضمن على سبيل المثال تطوير مواد ذات خصائص فائقة وغير مسبوقة، واكتشاف أدوية أكثر فاعلية، وتحسين كفاءة أنظمة الطاقة، وغيرها الكثير. واستناداً إلى أهمية حضور الكفاءات في مجالات الكم، فإن جهود المعهد تشمل كذلك العمل على إنشاء مركزٍ لمستقبل تكنولوجيات الكم، ليكون حاضنةً وطنية تتخصّص في تأهيل الأجيال الإماراتية الشابة ضمن هذه المجالات المتقدِّمة.
إن إنجازات معهد الابتكار التكنولوجي تأتي تأكيداً لما باتت تضطلع به دولة الإمارات من دور عالمي فاعلٍ ومؤثر ضمن تكنولوجيات الكمِّ وعلومه، وتؤسّس مكانةً مستحقة لأبوظبي كأحد أهم المراكز العالمية في بحوث الكم وتطبيقاته، وكل ذلك هو شهادةٌ على رؤية ثاقبة من القيادة الرشيدة، نحو مستقبل عنوانه الريادة والتقدُّم في مجالات المعرفة، والتي لا تخدم دولة الإمارات العربية المتحدة فحسب، بل العالم بأسره.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية