تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة، تحت قيادة حكيمة وطموحة، إلى تعزيز بنية المجتمع وضمان استقرار أفراده وترسيخ تماسكه، ومن خلال سلسلة من الخطوات الأخيرة، تؤكد الإمارات مجدداً التزامها الثابت بتطوير سياسات اجتماعية شاملة تهدف إلى تمكين الأسرة وتعزيز دورها كركيزة أساسية لاستدامة المجتمع القوي.

وهناك ثلاثة تطورات محورية تعكس هذه الحقيقة، وهي: تأسيس وزارة جديدة للأسرة، وتغيير مسمى وزارة تنمية المجتمع إلى «وزارة تمكين المجتمع»، وإصدار قانون الأحوال الشخصية الجديد.

وهذه التطورات تعكس استراتيجية مدروسة هدفها تحسين حياة المواطنين وتحقيق توازن اجتماعي دائم. وبتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في 8 ديسمبر 2024، تأسيس وزارة جديدة للأسرة، تركز مهامها على تعزيز دور الأسرة باعتبارها حجر الزاوية في المجتمع الإماراتي. وهذه الخطوة تؤكد أن الأسرة هي الأولوية الأهم في ظل التحديات التي قد تواجهها، ومنها على سبيل المثال ما يتعلق بتراجع معدلات الخصوبة. ومن المقرر أن تتولى الوزارة الجديدة مسؤوليات استراتيجية تهدف إلى دعم بناء أسر مستقرة ومتماسكة، وتنمية هويتها الوطنية وتعزيز دورها في التنشئة السليمة. كما سيشمل عمل الوزارة تطوير برامج توعية وتأهيل للأسر والمقبلين على الزواج.

وتسعى هذه السياسات إلى توفير بيئة صحية تساعد على تكوين أسرة قوية ومتوازنة، الأمر الذي ينعكس بدوره على استقرار المجتمع بأسره. وفي خطوة أخرى مهمة، تم تغيير مسمى وزارة تنمية المجتمع إلى «وزارة تمكين المجتمع»، مع تعديل اختصاصاتها لتشمل تعزيز المشاركة المجتمعية والتفاعل بين جميع شرائح المجتمع.

ويهدف هذا التغيير إلى تطوير منظومة تمكين اجتماعي متكاملة، ما يعزز قدرة الأفراد على الاعتماد على أنفسهم وتحقيق الاستقلال المالي والاجتماعي. وسوف تدير الوزارة الجديدة برامج الدعم الاجتماعي بشكل يتناسب مع احتياجات الأسر ذات الدخل المحدود، وتعزيز استقرارها وقدرتها على دعم عملية التنمية المجتمعية. وفي يناير 2025، أصدرت دولة الإمارات مرسوماً بقانون اتحادي بشأن الأحوال الشخصية، وهو خطوة مهمة نحو تحديث المنظومة القانونية، بما يتماشى مع متطلبات المجتمع المتطور. ويتيح القانون الجديد مرونةً في معالجة قضايا الأحوال الشخصية، ويسهم في تسريع الإجراءات وتحقيق العدالة بشكل أكثر كفاءة. ومن أبرز التعديلات في هذا القانون تقديم مزيد من الحرية للمرأة فيما يتعلق بولاية التزويج، بالإضافة إلى تحسين الإجراءات المتعلقة بالطلاق والحضانة، بما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف المعنية. يأخذ القانون بعين الاعتبار مصالح الأطفال، ويولي مصلحة المحضون في حالات الطلاق اهتماماً خاصاً، مع زيادة سن الحضانة إلى 18 عاماً لجميع الأطفال، بغض النظر عن جنسهم. كما يعزز القانون حقوق المرأة في مسكن الزوجية، ويحدد حقوقها في حالة الطلاق، بما في ذلك توثيق الطلاق خلال فترة زمنية محددة للحفاظ على حقوق الزوجة. وسوف تُسهم هذه التعديلات في تحسين استقرار الأسر وتوفير بيئة تساعد على تقوية الروابط الأسرية. إن تكامل هذه الإجراءات مع بعضها البعض يعكس رؤية شاملة لدعم كيان المجتمع الإماراتي. فوزارة الأسرة تعمل على تعزيز وحدة الأسر وتماسكها، بينما تركز وزارة تمكين المجتمع على تعزيز قدرة الأفراد على تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية والاقتصادية.

وفي الوقت نفسه يسهم قانون الأحوال الشخصية الجديد في تحديث الأطر القانونية التي تحكم العلاقات الأسرية، ما يعزز العدالة ويحسن استقرار الأسر. وتندرج هذه الخطوات ضمن استراتيجية شاملة ترسخ مفهوم «الاستقرار الاجتماعي» الذي يعد الركيزة الأساسية لنجاح استراتيجيات التنمية. ويمثل تعزيز بنية المجتمع أولوية أساسية للإمارات في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم.

ومن خلال هذه الاستراتيجية، تؤكد دولة الإمارات التزامها بتحقيق تنمية اجتماعية مستدامة، تمثل حجر الزاوية في تواصل جهود بناء المجتمع القوي والمرن والقادر على مواجهة تحديات المستقبل.

* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.