تاريخياً، لطالما ربطت بين الهند وسنغافورة علاقات وثيقة ومتينة. وها هي هذه العلاقات وقد أخذت تتوسع الآن بوتيرة سريعة حيث يسعى البلدان إلى البحث عن مجالات جديدة للتعاون، من أشباه الموصلات إلى الزراعة. وفي هذا الإطار تندرج الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس السنغافوري ثارمان شانموجاراتنام إلى نيودلهي، والتي تهدف إلى تعزيز تلك العلاقات بشكل أساسي، إلى جانب إحياء الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الهند وسنغافورة.
الزيارة التي قام بها ثارمان الأسبوع الماضي كانت ترمي إلى تعزيز العلاقات الهندية السنغافورية ووضعها في مسار جديد. إذ تبحث سنغافورة حالياً عن فرص جديدة في الهند في مجالات تعاون جديدة، من الخدمات اللوجستية والاتصال والبتروكيماويات والصيانة والإصلاح إلى التعاون في مجال الطيران. ورغم أنها سعت دائماً إلى تعميق علاقاتها مع الهند، إلا أن هذا التعاون بدأ الآن يشمل قطاعات مختلفة وأكثر حداثة. والعام الماضي، وفي محطة فاصلة على مسار علاقاتهما الثنائية، رفع البلدان مستوى العلاقات بينهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مما يؤكد على التقارب المتزايد بين البلدين.
سنغافورة كان لها تقليدياً وجود في الولايات الجنوبية للهند، وخاصة في ولاية تاميل نادو وولاية ماهاراشترا الواقعة غرب البلاد. لكن الآن ومع القفزات الكبيرة التي حققتها الهند في العديد من القطاعات، بدأت تظهر فرص واعدة في ولايات أخرى أيضاً. وعلى غرار العديد من الدول الأخرى، تسعى سنغافورة لاستكشاف مجالات جديدة للتعاون، ولا سيما في وقت أخذت فيه كل الولايات الهندية تقريباً تزداد تنافسية في محاولة لجذب المستثمرين الأجانب من مختلف البلدان. وعلى هذه الخلفية، زار الرئيس ثارمان أيضاً ولاية أوديسا في شرق الهند، في إطار سعيه لتوسيع الوجود السنغافوري ودخول مناطق غير مستكشفة.
ثارمان كان أول رئيس دولة يزور هذه الولاية الواقعة شرق الهند. وقد وقّعت حكومة أوديسا 8 مذكرات تفاهم مع شركات يوجد مقرها في سنغافورة وتنشط في مجالات تتراوح بين تنمية المهارات وأشباه الموصلات والطاقة المستدامة والهيدروجين الأخضر والأمونيا وتطوير المجمعات الصناعية إلى تكنولوجيا التأمين المستدام وتخطيط تنمية المدن. وقد ساعدت هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا أوديسا مؤخراً على إنشاء مركز عالمي للمهارات من أجل سد الفجوة التي تعاني منها الهند في تنمية مهارات القوى العاملة الشابة. كما اتفق الجانبان على إنشاء مجمعات صناعية في الولاية من خلال اتفاقية تم توقيعها مع شركة أوديسا لتطوير البنية التحتية الصناعية.
زيارة ثارمان جاءت عقب الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى سنغافورة في سبتمبر الماضي، والتي رفع خلالها البلدان مستوى العلاقات بينهما إلى اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة. اتفاقية لم توقّع سنغافورة مثلها سوى مع عدد قليل من الدول. وفي ذلك الوقت، تم تحقيق تعاون كبير بين الجانبين، لا سيما في مجال أشباه الموصلات.
كما يُعد التعاون المتزايد بين البلدين جزءاً من العلاقات المتنامية بين الهند وجنوب شرق آسيا. ومن المتوقع أن تقوم سنغافورة أيضاً بإنشاء «ممر الهيدروجين الأخضر»، وتطوير مدينة جديدة في أوديسا، وتعزيز النظام البيئي للتكنولوجيا المالية في الولاية. كما أبرمت «إدارة تنمية المهارات والتعليم التقني» و«خدمات التعليم التقني آي تي إي» في سنغافورة اتفاقية في مجال التعليم التقني. 
وتتمتع الهند وسنغافورة بعلاقات قوية منذ عقود عديدة. فقد لعبت سنغافورة دوراً محورياً في انضمام الهند إلى تجمع «آسيان»، الذي يضم كلاً من إندونيسيا وتايلاند وسنغافورة وماليزيا والفلبين وفيتنام وميانمار وكمبوديا وبروناي ولاوس. وكان لسنغافورة دور فعال في مساعدة الهند على إقامة علاقات مع التجمع. ونتيجة لذلك، عملت الهند منذ سنوات على تعميق علاقاتها مع دول جنوب شرق آسيا الأخرى أيضاً، حيث أبرمت معها صفقات في مجالات متنوعة من المعادن الثمينة إلى التعاون الدفاعي. والجدير بالذكر هنا أن الهند تتبنى منذ عقدين على الأقل سياسة «التطلع شرقاً»، وفي هذا الإطار يندرج انفتاحها على جنوب شرق آسيا. وهي سياسة تم تغيير اسمها في عهد رئيس الوزراء مودي إلى سياسة «التحرك شرقاً».
زخم العلاقات مع جنوب شرق آسيا ما فتئ يتزايد، مع التعاون المتنامي في مجالات محورية مثل التصنيع المتقدم وأشباه الموصلات. وفي «يوم الجمهورية» هذا العام، وهو اليوم الوطني للهند، تمت دعوة الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو ليحل ضيف شرف على الهند في هذه المناسبة لمدة يومين، وهو رابع رئيس إندونيسي تتم دعوته ليكون ضيفاً على الهند في هذه المناسبة خلال السبعين عاماً الماضية. وكان الرئيس سوكارنو أول رئيس يحظى بهذا الشرف في احتفالات أول يوم وطني في الهند بعد حصولها على الاستقلال من البريطانيين. ومن بين الموضوعات المطروحة للنقاش خلال هذه الزيارة تعميق التعاون بين البلدين بما في ذلك في مجال الدفاع، حيث يتفاوض البلدان على صفقة بقيمة 450 مليون دولار للحصول على أنظمة صواريخ كروز الهندية «براهموس».
ومن بين دول جنوب شرق آسيا الأخرى، تجري الهند حواراً استراتيجياً مع ماليزيا. وكان حوار أمني بين مستشار الأمن القومي لرئيس وزراء الهند والمدير العام لمجلس الأمن القومي الماليزي قد عُقد هذا الشهر. وخلال هذه المباحثات، تبادل البلدان وجهات النظر حول البيئة الأمنية العالمية والإقليمية واستعرضا سبل التعاون الثنائي الحالي في مجالات الأمن والدفاع والملاحة البحرية. كما اتفق الجانبان على تعميق التعاون في مجال الأمن السيبراني لمكافحة الإرهاب، والصناعة الدفاعية، والأمن البحري. ومما لا شك فيه أن العلاقات بين الهند وجنوب شرق آسيا تسير في مسار تصاعدي سيعود بالنفع على كلا الجانبين.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي