تغيير جذري في الموقف أبان عنه الرئيس الأوكراني، فقد أعلن فولوديمير زيلينسكي أنه على استعداد للتخلي مؤقتاً عن جزء من الأراضي الأوكرانية التي فقدها في بداية الحرب مقابل وقف دائم لإطلاق النار وانضمام الأراضي التي بقيت تحت سيادته إلى حلف «الناتو». والجدير بالذكر هنا أنه حتى الأمس القريب كان زيلينسكي يرفض الحديث عن مفاوضات مع روسيا، ناهيك عن التخلي عن أراض. زيلينسكي يقول، إنه سيقوم باستعادة هذه الأراضي لاحقاً من خلال التفاوض، والحال أن الجميع يعلم أن روسيا لن تعيد تلك الأراضي.

لكن الأمر يتعلق هنا بطريقة للحفاظ على ماء الوجه بالنسبة لزيلينسكي. وتقديم هذا النوع من الاقتراحات أكثر واقعية من البقاء في حالة إنكار تام. لكن، لماذا هذا التحول الآن؟ كيث كيلوغ، وهو الرجل الذي كلّفه دونالد ترامب بإدارة ملف الحرب في أوكرانيا، حذّر من أن المساعدات العسكرية لأوكرانيا ستتوقف إذا لم يتم فتح المفاوضات، ولم تعترف كييف بفقدان بعض الأراضي. وبالطبع، فإن هذا الوضع المتمثل في سيطرة روسيا على ما يناهز 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية تعارضه العديد من الدول الغربية، بناءً على ما تقول إنه قواعد القانون الدولي. لكن المبادئ شيء والوقائع شيء مختلف.

والواقع أن أوكرانيا لطالما أكدت أن من شأن زيادة كبيرة في المساعدات العسكرية أن تسمح لها بتغيير هذا الوضع، غير أن التركيبة السكانية تظل في غير صالح أوكرانيا، وذلك على اعتبار أن سكان أوكرانيا أقل بـ4 إلى 5 مرات من سكان روسيا.

وعلاوة على ذلك، فثمة شعور بالإرهاق من المساعدات على الجانب الأوروبي، كما على الجانب الأميركي. هذا الحل قد لا يؤدي إلى سلام عادل. غير أن كل وسائل الضغط استُخدمت في مواجهة روسيا، باستثناء مواجهة أوسع وأعم. ولهذا، فالبديل هو استمرار لا طائل منه لحرب لا تستطيع أوكرانيا أن تنتصر فيها عسكرياً. وما تخشاه كييف، ويخشاه الغرب أيضاً، هو أن يكون وقف إطلاق النار هذا بمثابة «استراحة» لروسيا، من أجل استئناف هجومها بشكل أحسن في المرة التالية.

والواقع أن الجميع أنهكتهم الحرب، خاصة بسبب العقوبات التي أثّرت بشكل كبير رغم أنها لم تؤد إلى تحقيق الهدف الرئيس منها. غير أنه لا يمكن تجاهل أي خيار، وروسيا أظهرت من قبل أنها قادر على اتخاذ قرارات صعبة. ولئن مكّنتها الحرب من كسب بعض الأراضي، فإنها قللت من قوتها على المدى الطويل. والحال أنها كانت ستصبح أكثر قوة على المدى الطويل لو لم تدخل هذه الحرب.

لكن، ماذا يعني منح أوكرانيا ضمانات في هذا السياق؟ إنها تطالب بالسماح لها بالانضمام إلى حلف الناتو، لكن الولايات المتحدة تعارض ذلك، شأنها فيه شأن العديد من الدول الأوروبية. غير أنه إذا كان هناك وقف لإطلاق النار، فإن إرسال جنود ليس من حلف الناتو، وإنما من الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو سيكون أمراً ممكناً.

وهذا مختلف عن إرسالهم حينما تكون البلاد في حالة حرب، لأن الأمر سيتعلق في هذه الحالة ليس بخوض حرب ضد روسيا، وإنما بنشر قوات في دولة صديقة. إننا نتجه ربما نحو نهاية هذه الحرب المميتة، وهو وضع يجد فيه زيلينسكي نفسَه الآن يقترح ما كان مطروحاً على الطاولة في ربيع عام 2022، والذي كان قد رفضه لأن رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون أشار عليه بمواصلة الحرب، مؤكداً له دعماً لا ينقطع من أجل استعادة كل الأراضي التي فقدها! والحق أن هناك شيئاً صعباً بالنسبة للأوكرانيين في هذا الاحتمال.. غير أنه ليس من السهل أيضاً الاستمرار في خوض حرب لن تغيّر أي واقع على الأرض، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من القتلى، ومزيد من الجرحى، ومزيد من الدمار.

*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية - باريس