نحن لا نعرف على وجه الدقة متى بدأت الصفة (مثقف)، تطلق على أصحاب الفكر والمبدعين والمتمكنين من العلوم والفنون والآداب، كما يرد التعريف في معجم اللغة، ولسنا نعرف إذا كانت هذه الصفة تطلق على فلاسفة وعلماء كبار ممن نعرف من مشاهير التراث الفكري العربي كابن رشد وابن سينا، وغيرهما ممن حفلت بهم عصور الازدهار العربي الإسلامي في أزمنتهم، فالصّفات مثل مفكر ومبدع ومثقف لم نعرفها إلاّ في الدراسات الحديثة التي تناولت فكر هؤلاء الأسلاف وحياتهم، ولعل استعمالها في اللغة العربية قد انتشر نتيجة المثاقفة والترجمة عن اللغة الإنجليزية مثلاً، أما في اللغة العربية نجد أن الجذر اللغوي لكلمة مثقف هي ثَقَفَ الرمح، أي صار حاذقاً وخفيفاً، وثقف الولد، هذّبه وعلّمه، فهو مثقّفٌ وهي مثقّفةٌ، أما الثقافة فهي كما يقول المعجم: التمكن من العلوم والآداب والفنون، والمثقف هو الرمح في عرف الشعراء!، ولعل المعجم يقصد أن شعراء ذلك الزمان يستخدمون كلمة مثقف عوضاً أو رمزاً عن كلمة رمح، فيقولون مثلاً (اخترقتُ قلبه بمثقفي) عوضاً عن رمحي!.
من هذا التعريف في اللغة نصل إلى أن المثقف هو الإنسان: استقام واستوى بفضل معرفته الواسعة في العلوم والفنون والآداب، يضاف إليها بلغة العولمة: تكنولوجيا المعلومات، كاستعمال الكمبيوتر والاشتراك في شبكة الإنترنت، إذ بدون ذلك لا تكتمل صفة المثقف! فالإنسان المثقف يشبه الرمح، فكلاهما حين يقف فإن رأسه للأعلى، وكلاهما إذا انطلق إلى غاية يصل إليها برأسه أولاً، وكلاهما إذا انحنى طاش عن مرماه، ذلك أن الرمح المثقف هو الرمح الذي صنع بمهارة وحذق فاستقام واستوى وحدّ رأسه ورهف، فإذا أُطلق لا يطيش عن مرماه إلا لطيش الرامي الذي لم يستطع أن يحدد هدفه أو غايته، يقابل يد الرامي وبصره في حالة الرمح، الوعي والبصيرة في حالة الإنسان، فإذا كان وعيه مثقفاً عميق الإدراك، وبصيرته مستنيرة فإن غايته تكون محددة الوضوح، أما إذا كان الوعي غائباً أو مغيباً، والإدراك غليظاً، والبصيرة عشواء، فإن الغاية تكون من جنسهما، ويكون الهدف غير واضح.
ثمة شبه آخر بين الرمح والإنسان المثقف؟ فالرمح إذا أطلقته يد حاذقة بصيرة فإنه يخترق الهدف برأسه الرهيف، والإنسان المثقف إذا انطلق بعقل واعٍ، فإنه ينفذ من خلال الظاهر للباطن، ومن خلال المعلول للعلة، ويرى ما لا يراه الناس من حوله، وينطق بما لا ينطقون، ألا يئز الرمح حين انطلاقه- بقوة اليد الحاذقة- إلى غايته؟.